الأربعاء، 6 أبريل 2011

فضولي وفضولي: إدارة صنع الاكتشاف

فضولي وفضولي: إدارة صنع الاكتشاف
حذار من الرغبة في توجيه البحث بشكل وثيق جداً، يقول أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل. علمنا التاريخ قيمة الفضول العلمي الحر.

أحمد زويل كتبها في مجلة ناتشر


في زيارة رسمية لجنوب شرق آسيا مؤخراً، سألني أحد رؤساء الوزراء: "ما الذي يتطلبه الحصول على جائزة نوبل؟" أجبت فوراً: "الاستثمار في البحوث الأساسية وتجنيد أفضل العقول." يبدو أن هذا النهج الذي يحركه الفضول أصبح من الطراز القديم ولا يقدر حق قدره في عصر العلم الحديث. يعتقد البعض أنه يمكن تحقيق المزيد عن طريق إدارة توجهات الأبحاث بإحكام — وكأننا نستطيع توقع المستقبل. أنا أؤمن أن تلك الفكرة للأسف خاطئة وأثرت وأصابت تمويل الأبحاث. أسمع مراراً، خاصةً في الدول النامية: "نحن بحاجة إلى الأبحاث التطبيقية." ليس هناك شيء خطأ بدولة لديها أبحاث موجهة الرسالة وتطور لحل مشاكل معينة أو لتركز في برامج التوعية، مثل استكشاف الفضاء أو الطاقة البديلة. خلال زياراتي كموفد العلم للولايات المتحدة، شددت أن بدون الاستثمار الصلب في التعليم العلمي في بناء قاعدة أساسية للعلوم، الدول لن تكتسب المعلومات الرائدة المطلوبة لصنع الاكتشافات والاختراعات التي ستشكل مستقبلهم.

هناك عدد لا يحصى من الأمثلة لأبحاث لها السبق قادها الفضول. في عامي الأول كعضو جامعي في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) في باسادينا عام 1976، تحدثت أنا والراحل ريتشارد فينمان عن دراسة نظرية نشرها منذ 20 عاماً في بصريات الكم والتي فتحت المجال لتجارب، تقدم طريقة لتصور التفاعل بين ضوء الليزر والمادة. أخبرني بابتسامة أن كل ما أراده في ذلك الوقت كان أن يجيب على سؤال أساسي: لو كانت لحظة الدوران تغير اتجاها في المجال المغناطيسي، فهل لحظة الإنتقال البصرية ستفعل مثلها؟ ربما مثل أكثر عامية لذلك هو تطور ضوء الليزر بواسطة تشارلي تاونز. في الاحتفالية بالعيد الخمسين لاختراعه بباريس هذا العام، أكد تاونز أن الذي دفعه منذ البداية أسئلة أساسية عن الموجات الصغرى (الميكروويف) الطيفي وكيفية تضخيم الضوء. كما أخبرت الجمهور في باريس، كان الفضول هو ما أتى بمساهماتي لعلم الفيمتوثانية، والتي منحت جائزة نوبل بسببها، والمجهر الالكتروني رباعي الأبعاد لتصور المادة في الفضاء والوقت.

“صنع معرفة جديدة غير سهل ولا يجني المال على المدى القصير”

ميكانيكا الكم، النسبية، وفك الرموز الجينية هي اكتشافات صنعت على طول المسارات نفسها، وكذلك تكنولوجيات ثورية مثل التصوير بالرنين المغناطيسي (نبعت من أبحاث بدافع الفضول عن دوران الالكترون) والترانزيستور (تم اكتشافه كنتيجة للفضول عن طبيعة الالكترونات في اشباه الموصلات). صناعات تكنولوجيا المعلومات الرقمية والتحويل والصناعات الطبية التي تبعتها تشكل العمود الفقري للاتصالات والاقتصاد العالمي. الفضول مجزي!

كيف يمكننا التأكد من أن مثل تلك الأبحاث تحظى بالتشجيع اليوم؟ البحث بدافع الفضول يلزمه عالم مبتكر يعمل في بيئة تشجع التفاعل بينه وبين باحثين ومتعاونين من مجالات مختلفة. ولكن تلك السمات لا يمكن، ومن الضروري، ألا تنسق بواسطة إدارة ثقيلة ومهيكلة، وذلك لأن العقول المبدعة والبيروقراطية لا يعملوا بانسجام سوياً. لذا هل هناك صيغة لإدارة صنع الاكتشاف؟ تكمن الإجابة في تقبل ثلاث أساسيات. أولاً، والأكثر أهمية، هي الأشخاص المشاركين. إعطاء أهمية مناسبة لتقديم تعليم ملهم وشامل في العلوم والتكنولوجيا والرياضيات والهندسة شيء أساسي. الأبحاث والتطوير في حاجة لجذب أفضل العقول الشابة. المباني الكبيرة والتمويل الضخم لن ينتج الكثير بدون الأشخاص المناسبين.

ثانياً، خلق مناخ من التبادل الفكري من الأهمية القصوى لتبلور الأفكار. صرف انتباه أعضاء الكلية بكتابة عروض عديدة ومطولة أو تحويلهم لمديرين هي بداية النهاية. مشروع العلم الحديث أصبح منتفخ ومعقد ولذلك فإن النماذج التقليدية للتمويل يجب أن يعاد النظر فيها. كيف يمكننا تركيز الموارد على أفضل العلوم وما مستوى التمويل الذي نحتاجه لخدمة المجتمع بشكل أفضل؟

ثالثاً، بدون الموارد لا يمكن انجاز الا القليل، مهما كانت درجة ابداع العقول. من الواضح، أن هناك حاجة للاستثمار في العلم لبناء المعدات ولتعيين الموظفيين الكفؤ. الدول والمؤسسات التي تقدم البنية التحتية الأساسية والتي تمول الأفكار ستكون موطن الاكتشافات. ولكن مثل هذا الدعم يجب أن يتبع رؤية باحثيين مبدعيين، ولا يبنى فقط لاصطياد المال أو لإجبار الناس على الاتجاه لمجالات الأبحاث الأنيقة مثل تكنولوجيا النانو.

اليوم، المسؤلون في العديد من الدول النامية يريدون إيجاد طرق للوصول إلى مستويات الإبداع للدول المتقدمة. في أثناء البحث، يغفلون في كثير من الأحيان عن الدور الرئيسي للأبحاث الأساسية و التعليم العلمي؛ وللأسف، نفس النزعة بدأت في الزحف للدول المتقدمة. القادة السياسيون يجب أن يقدروا أن البحث عن معلومات جديدة هو ما يدفع الإبداع، وبدونه لن ينجذب الطلاب الشباب للمهنة.

لقد كنت سعيد الحظ أن أقضي الثلاثين عاماُ الماضية من مهنتي في مؤسسة تؤمن بمثل هذه القيم. بالرغم من الضغوط للتغيير، أتمنى أن تستمر Caltech في الحفاظ على ثقافتها الفريدة مثل — بكلمات أحد زملائي و الرئيس السابق لـCaltech، دايفيد بالتيمور — "قرية العلم". الحفاظ على المعرفة سهل. نقل المعرفة سهل أيضاً. ولكن صنع معرفة جديدة غير سهل ولا يجني المال على المدى القصير. الأبحاث الأساسية أثبتت أنها تجلب المال على المدى الطويل، وعلى نفس مستوى الأهمية ، فإنها قوة لإثراء ثقافة أي مجتمع بالمنطق والحقيقة الأساسية.

أحمد زويل حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عم 1999. هو عضو في مجلس المستشارين في العلوم والتكنولوجيا الخاص ببارك أوباما. 

قامت بترجمة هذا المقال علا الغزاوي ويعاد نشره هنا بموافقة مجلة ناثسر

الجمعة، 11 مارس 2011

ديوكسين في البيض

هلع في دول الاتحاد الأوروبي ... ديوكسين في البيض
السبت, 05 مارس 2011 صحيفة الحياة اللندنية
راغدة حداد وعماد فرحات

عمَّت ألمانيا مؤخراً موجة ذعر امتدت الى دول أوروبية أخرى، عندما تبين أن كميات كبيرة من البيض ولحوم الدجاج ملوثة بالديوكسين السام الذي احتواه العلف في آلاف المزارع الألمانية. وقد سارعت الحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي الى اتخاذ تدابير لتشديد الضوابط والمعايير الخاصة بصناعة الأعلاف ولسد ثغرات في نظم المعاينة والسلامة. هذا المقال يضيء على هذه الفضيحة الغذائية، للفت الاهتمام الى تقصير السلطات المعنية في الدول العربية في الحرص على سلامة المواد الغذائية المنتجة والمصنعة محلياً أو المستوردة من الخارج.

هبطت مبيعات البيض والدجاج في ألمانيا بشكل حاد بعد إطلاق إنذار صحي في 3 كانون الثاني (يناير) 2011، عندما أُعلن أن علفاً ملوثاً بالديوكسين السام أطعم للدجاج. أغلقت السلطات نحو 4700 مزرعة، وانتشر مئات المفتشين لمعاينة جميع المزارع التي يشتبه بأنها استعملت ذاك العلف، وتم إعدام آلاف طيور الدجاج. ونصح المستهلكون بألا يشتروا إلا البيض واللحم العضويين ريثما تنتهي أعمال المعاينة.

موجة الذعر كلفت المزارعين الألمان نحو 50 مليون يورو في الأسبوع. وما زال التحقيق جارياً مع شركة «هارلس أند ينتش» للدهون الصناعية والأعلاف، التي وزعت أحماضاً دهنية صناعية مخصصة لإنتاج الورق والوقود الحيوي على مصنِّعي الأعلاف الحيوانية.

الفضيحة أغضبت المستهلكين وأثارت حالات تأهب صحية دولية. وقامت تظاهرات شعبية حمل بعضها شعار «طفح الكيل، لا للهندسة الوراثية والمصانع الحيوانية». وكانت الغضبة عارمة بشكل خاص لأن السلطات علمت بالتلوث قبل أشهر من إعلانه. وكانت اختبارات أجريت في آذار (مارس) 2010 أظهرت مستويات عالية من الديوكسين تتخطى الحدود المسموحة في أحماض دهنية أنتجتها تلك الشركة للاستعمال في تصنيع علف حيواني. وحظرت روسيا مستوردات لحوم الدجاج الألمانية، وفرضت الصين وكوريا الجنوبية قيوداً عليها، وعبرت بولندا وتشيخيا وبلدان أخرى عن قلقها في شأن مستورداتها الغذائية من ألمانيا.

وسارعت الحكومة الألمانية الى اتخاذ سلسلة تدابير عاجلة لتشديد الضوابط والمعايير الخاصة بصناعة الأعلاف ولسد الثغرات في نظام المعاينة والسلامة. فأقرت قانوناً جديداً يلقي مسؤولية إضافية على المختبرات الخاصة ويلزمها إبلاغ السلطات بتحاليل مشتبه بها لمواد غذائية أو أعلاف حيوانية. كما فرضت على الشركات المنتجة للأعلاف والمواد الغذائية أن تعلم السلطات بأي كميات من الديوكسين أو مواد خطرة أخرى تكتشف في منتجاتها. وهذا يتيح استحداث نظام للإنذار المبكر بالتلوث. ومن التدابير التي يعتزم اتخاذها نظام ترخيص جديد لمصانع الزيوت والدهون التي تدخل في إنتاج الأعلاف الحيوانية، وفصل إنتاج الدهون والزيوت المعدة للاستعمالات الصناعية عن تلك المعدة لاستعمالات العلف الحيواني. ويدرس الاتحاد الأوروبي حالياً سياسة لدعم أسعار بعض مستلزمات المزارع، من أجل تشجيع نظم زراعية محلية مستدامة ولا تعتمد على الشبكات التجارية المعقدة.

كيف حدث ذلك؟

عندما نقرأ كلمة «بيض»، قد نتصور عمالاً في مزارع صغيرة نظيفة تنتج البيض الطازج من دجاجات سعيدة، وموظفين كفوئين في مصانع تفقس هذا البيض بعناية لمعالجته وتعليبه وتصنيعه بحسب متطلبات المنتجات الغذائية.

لكننا اليوم نسمع عن مادة تستخدمها الصناعات الغذائية منذ بضع سنوات وتدعى «البيض السائل المعقم». وما يحدث في الواقع هو أن البيض يأتي غالباً من دجاج يربى في أقفاص داخل مزارع صناعية، ويباع الى شركة يتولى مصنعها نزع قشوره وتعريضه لحرارة عالية جداً، ما يقتل أي بكتيريا قد تسمم الغذاء الذي يدخل فيه. لكن الحرارة تتلف أيضاً الفيتامينات التي تجعل البيض مغذياً. والسبب الحقيقي لهذه المعالجة هو أن البيض السائل، بعد تعقيمه، يتحول الى منتج يدوم وقتاً طويلاً، مثل الحليب المعقم، بحيث يمكن توضيبه وتخزينه في درجة حرارة الغرفة لاستعماله بعد أشهر أو حتى سنوات. وهو يستخدم في المطاعم ومطابخ تعهد مآكل الحفلات.

ويلجأ المصنعون في الدول الغربية في شكل متزايد الى استعمال هذا المكوِّن الغذائي الذي فقد طبيعته الخاصة، بسبب صرامة الأنظمة التي تحكم استعمال البيض النيء الطازج. هكذا يدخل في تشكيلة من السلع الغذائية، مثل الكعك والحلوى وفطائر الـ «كيش» والمايونيز وغيرها.

حادثة تلوث البيض الألماني التي ضجت بها أوروبا تبين كيف أصبحت المكونات الشائعة لصنع الغذاء سلعاً دولية، تشترى وتباع في سوق عالمية. البيض الملوث بالديوكسين أتى من ألمانيا، حيث أطعم الدجاج علفاً دخلت في تصنيعه دهون ملوثة بالديوكسين أعدت أصلاً لصناعة الورق أو الوقود الحيوي، لكنها وزعت على مصانع لإنتاج العلف. ومن ألمانيا أرسل البيض الى هولندا، قاطعاً مئات الكيلومترات، لمعالجته وتحويله الى بيض سائل معقّم. ثم نقل بحراً وبراً الى شركات في بلدان مختلفة استخدمته في إنتاج مواد غذائية تم توزيعها على المتاجر.

والبيض الملوث بالديوكسين لا يختلف عن أحداث تلوث غذائي سابقة، مثل المضاد الحيوي نيتروفوران في الروبيان عام 2002، والصبغة الصناعية Sudan 1 التي تستعمل في المذيبات ومركبات صقل الأرضيات والتي أخذت طريقها عام 2003 الى مواد غذائية مثل صلصة الباستا والوجبات الجاهزة. العنصر المشترك في هذه كلها احتواؤها على مكونات مبهمة استعملت في شكل غير قانوني في بلدان تبعد آلاف الكيلومترات عن البلدان التي استهلكت فيها، وهي تعرف جميعاً بأنها مسرطنات.

وبفضل السلسلة الغذائية المعولمة في شكل متزايد، وبما أن السلطات قد تحتاج الى أسابيع أو شهور لتحديد مصدر المشكلة والأغذية المتأثرة بها، فإن المكوِّن الخطير قد يلوث آلاف المنتجات في المتاجر خلال أيام. وقد نأكل هذه المنتجات قبل أن تتنبه السلطات المعنية للمشكلة.

لكن سلسلة الإمدادات الغذائية الطويلة والمعقدة ليست إلا جزءاً من المشكلة. فكثيراً ما تعمد مزارع المواشي والدواجن الصناعية الكبيرة الى استخدام أرخص علف حيواني ممكن لتخفيض نفقاتها الإنتاجية، علماً أن العلف يشكل أكثر من 50 في المئة من كلفة الإنتاج. ولا ننسَ أن مرض جنون البقر (BSE) الذي تسبب بأكبر حالة ذعر صحي غذائي في تسعينات القرن العشرين نشأ من علف حيواني ملوث، كذلك تفشي الحمى القلاعية في بريطانيا عام 2001، وموجتا التسمم الغذائي بالديوكسين في بلجيكا عام 1999 وفي إيرلندا عام 2008.

في موجة الذعر الأخيرة التي شهدتها ألمانيا، تبين أن الدهن الصناعي الذي أضيف كمادة مكملة الى العلف يحتوي على مستويات من الديوكسين السام والمسرطن تفوق 5 مرات أو أكثر المستويات المأمونة بحسب المعايير الأوروبية. والديوكسين منتج ثانوي للصناعات الكيماوية، كما ينجم عن حرق النفايات وعملــيات أخــرى. وهــو يتراكم في الطبيعة والأنسجة الدهنية في أجسامنا، خــصوصاً من خــلال اســتهلاك أغذية مصدرها حيوانات ونباتات تراكمت فيها مستويات منه. وعلى رغم أن أثر الديوكسين على صحتنا ليس فورياً، فإن التعرض الطويل لمستويات عالية منه قد يسبب أمراضاً سرطانية ويضر بجهازي المناعة والتناسل.

في بريطانيا، التي استوردت كمية كبيرة من البيض الملوث بالديوكسين، طمأنت وكالة مقاييس الغذاء المواطنين بأن الخطر الناجم عن تناوله منخفض جداً، لأن البيض الألماني مزج ببيض «قانوني» في هولــندا قبل شحنه الى بريطانيا. ولكن حتى الضوابط المشددة التي تتخذها الحـــكومة الألمانية قد لا تحول دون حدوث حالات ذعر صحية في المســتقبل. وقد تأتي المصيبة الغذائية من مصدر آخر أو من بلد آخر. فــي إيطاليا مثلاً، علت الصرخة عام 2008 من مستويات عالية للديوكسين في حليب الجواميس الذي يصنع منه جبن الموتزاريلا، وألغيت طلبات التصدير، وقيل إن محارق النفايات حول مدينة نابولي ربما أدت الى ارتفاع مستويات الديوكسينات المسرطنة في المروج التي ترعى فيها القطعان.

سلامة الغذاء في المنطقة العربية

فضيحة الديوكسين في ألمانيا ما زالت قيد التحقيق، وسوف تعرف تفاصيلها وينال المتورطون فيها قصاصهم. ولكن كم من الفضائح الغذائية تحصل في بلداننا العربية ويفلت صانعوها من العقاب؟ والى أي مدى يتم فحص سلامة الأعلاف والمواد الغذائية من الديوكسينات وبقايا المبيدات وغيرها من السموم... والمنتجات المعدلة وراثياً التي ما زال الجدل حامياً في شأن تأثيراتها الصحية؟

جاء في تقرير «البيئة العربية: تحديات المستقبل»، الصادر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية عام 2008، أنه باستثناء منتجات قليلة خاصة بالرعاية الصحية، فإن أياً من البلدان العربية لا ينتج حالياً منتجات لها علاقة بالتكنولوجيا الحيوية. لكن هناك 14 بلداً عربياً هي أطراف في بروتوكول قرطاجنة للسلامة الأحيائية الذي ينظم استيراد وتصدير الكائنات المعدلة وراثياً (GMOs). والمشكلة الرئيسية حالياً هي تنفيذ البروتوكول في شكل غير واف، مما يؤدي الى حالات نجد فيها بعض السلع القائمة على منتجات معدلة وراثياً، مثل الذرة والرز الطويل وفول الصويا وزيت الطهو، تُستورد وتتوافر في الأسواق العربية من دون الإعلان عنها أو وضع ملصقات عليها تبين محتوياتها. والنقطة الأساسية في المشكلة هي انعدام الآليات التنظيمية والتطبيقية والبنى التشريعية والإدارية والخبرة التقنية. لذلك يجب توجيه المزيد من الموارد الى مجالات تطوير التكنولوجيا الحيوية، لتتمكّن البلدان العربية من اتخاذ قرارات معززة بالمعلومات حول المنتجات التي تستوردها.

المبيدات والأسمدة تُستعمل على نطاق واسع في المنطقة، ويُساء استعمالها في كثير من الحالات. وتسجل في دول عربية بعض أعلى كميات الأسمدة لكل هكتار في العالم. ويثير الاستعمال المكثف للمبيدات والأسمدة مخاوف حول سلامة الغذاء كقضية صحية عمومية. ويفتقر معظم البلدان العربية الى فرض أنظمة وضوابط على بيع المبيدات وتداولها واستعمالها. ولا تتوافر في معظمها مختبرات موثوقة لتحليل مخلفات المبيدات في المنتجات الزراعية المعروضة في الأسواق، أو لفحص ما يمكن أن تحويه المواد الغذائية أو المصنَّعة محلياً من المواد السامة أو المسببة للسرطان، ولا تبذل جهود كافية لتحليلها حيث تتوافر المختبرات.

لذلك فإن الالتزامات التشريعية والمؤسساتية ضرورية في هذا الصدد. ويجب معالجة هذه القضايا على المستوى الإقليمي. فلدى كثير من بلدان المنطقة الموارد والقدرات اللازمة لأداء أفضل، والمفقود هو وعي واضح للموضوع. وعلى الحكومات العربية أن تنظر في إدخال إصلاحات مؤسساتية وإدارية وتدعم إنشاء مختبرات متطورة لضمان سلامة الغذاء الذي يتم إنتاجه وتصنيعه واست

الأحد، 26 ديسمبر 2010

إنه حقاً يذوب بفعل الاحترار العالمي


انه حقاً يذوب بفعل الاحترار العالمي... رصد ميداني لظاهرة ذوبان الجليد عبر رحلة استكشافية الى القطب الشمالي
2008-09-04 
منطقة القطب الشمالي - راغدة حداد

جليد القطب الشمالي يتقلص مع الاحترار العالمي، وقد خسر نحو ثلث مساحته خلال الـ 30 سنة الأخيرة، وسجل مستواه الأدنى في العام 2007. لكن علماء يتوقعون تحطيم هذا الرقم القياسي مع نهاية صيف 2008. وذوبان الجليد القطبي يبطل مفعوله التبريدي العاكس لأشعة الشمس، ما يعني ازدياداً في الاحترار العالمي واختلالاً في أنماط الطقس. وبزوال الجليد البحري لا يبقى هناك ما يصدّ المجالد الأرضية، ما يهدد بانزلاقها الى المحيطات، فترفع مستوى المياه وتغرق الشواطئ والجزر.
راغدة حداد، رئيسة التحرير التنفيذية لمجلة «البيئة والتنمية»، كانت بين 14 صحافياً من أنحاء العالم دعاهم الاتحاد العالمي للصحافيين العلميين (
WFSJ) للانضمام الى بعثة علمية دولية على متن كاسحة الجليد الكندية «أموندسن» المخصصة للأبحاث. فأبحرت لمدة أسبوعين في منطقة القطب الشمالي (The Arctic) لتشهد على مفاعيل الاحترار العالمي حيث تبدو للعيان بأسرع تجلياتها.
< 24 تموز (يوليو) 2008
الليلة الماضية نمت في أرجوحة. هذا ما شعرت به على متن كاسحة الجليد الكندية «أموندسن» وهي تمخر عباب المحيط القطبي الشمالي الهائج. ولكن لا جليد لكي تكسحه، بل مياه زرقاء مكشوفة. كانت السفينة ترتجّ من وقت الى آخر وهي تطأ كتلاً جليدية معلقة تحت الماء، ولكن لا جليد على السطح. فمعظم الجليد البحري ذاب في هذا المحيط، باستثناء الكتلة القطبية الكبرى التي تتقلص سنوياً بسرعة غير مسبوقة، والأكداس الجليدية الملاصقة لجزيرة غرينلاند وألاسكا والأراضي الشمالية، وهذه أيضاً في حال ذوبان سريع.
وصلتُ البارحة الى جزيرة بانكس، شمال غرب كندا، بعد سفرة طويلة من لبنان تخللتها 8 رحلات جوية. على تلك الجزيرة الباردة القاحلة تصورت كيف يمكن أن تكون الحياة على سطح القمر. ومع ذلك فالجزيرة مأهولة، فيها قرية لشعب الإنويت (المعروف بالاسكيمو) يعيش فيها 120 شخصاً. جاء شاب من القرية الى مهبط الطائرات حيث كنا ننتظر الهليكوبتر لتقلّنا الى كاسحة الجليد. فسألته عن طبيعة الحياة على الجزيرة. أخبرني أن قومه يعيشون على صيد الأسماك والفقم وأيائل الرنة وثيران المسك وإوز الثلج الذي يحطّ بمئات الألوف. الصيف قصير جداً لا يتعدى الشهرين، لذلك لا يستطيع الإنويت زراعة الخضار والفواكه. ويسمح لأهل القرية بصيد 28 دباً قطبياً كحصة سنوية، وهم يأكلون لحمها ويبيعون جلودها، «لكننا لم نفِ بحصتنا في السنوات الماضية، فقد قلّ عدد الدببة». الحياة تغيرت على الإنويت الذين عاشوا في هذه الأصقاع منذ آلاف السنين. فهم يعوِّلون على تجمد مياه المضائق للتنقل والعبور الى جزر أخرى من أجل صيد الأيائل. ولكن مع ارتفاع لا سابق له في درجة الحرارة، أصبح الجليد يذوب ربيعاً في وقت أبكر، وتبدأ مياه المحيط بالتجلد خريفاً في وقت متأخر. وبات الإنويت يجدون الجليد المترقق وتغير أنماط الحياة الفطرية غير مؤاتيين لمعيشتهم.
وهذا أيضاً ما يقلق جمهرة العلماء الآتين من أنحاء العالم، الذين احتلوا سفينة خفر السواحل الكندية «أموندسن»، ليدرسوا تغير المناخ حيث تتبدّى تأثيراته أولاً... في منطقة القطب الشمالي.
قاهرة الجليد
قلّما رحمت كتلة الجليد القطبي الدخلاء. فقد تكسرت عليها السفن الخشبية للمستكشفين الأوائل، وعلقت في براثنها السفن الفولاذية التي تلتها. وتحطمت أحلام كثيرين بعبور متاهة المضائق والقنوات المحروسة بالجليد في الممر الأسطوري الذي يخترق أميركا الشمالية من الغرب الى الشرق.
المستكشف البريطاني جون فرانكلين، الذي شغل العالم ببحثه المحموم عن ذاك «الممر الشمالي الغربي»، قضى على جزيرة متجلدة عام 1847. ومات آخرون في سعيهم للعثور عليه، وتروي مذكراتهم التي وجدت قرب جثثهم المتجمدة كيف عانوا برداً وجوعاً وجنوناً وهم ينتظرون انشطاراً منقذاً في الجليد.
أخيراً جاء قبطان نروجي حريص رابط الجأش يدعى روالد أموندسن، أمضى ثلاث سنوات وهو يشق طريقه بحذر بين جزر الجليد حتى عبَر الممر قبل نحو قرن. وقد بنيت كاسحة الجليد الكندية لتكون بصلابة هذا الرجل الذي تحمل اسمه. لكن الجليد المرعب يتهاوى ويذوب بفعل تغير المناخ. وبعدما كانت السفن تعبر أجزاء من هذا الممر خلال شهر واحد، في أيلول (سبتمبر) حين يذوب جليد الشتاء الماضي وقبل تكون جليد جديد، انفتح الممر كلياً للابحار في صيف 2007، وقد عبرته «أموندسن» من كيبيك في شرق كندا الى بحر بوفورت في غربها. كذلك انفتح شق في الكتلة الجليدية من المنطقة القطبية الروسية الى القطب الشمالي. وهذان حدثان لم يتم تسجيلهما من قبل.
هكذا أيقظ الذوبان المتسارع للجليد أحلاماً قديمة بطريق مختصرة تمتد في محاذاة القطب الشمالي وقاعه الواعد بثروات النفط والمعادن.
عالم الأعماق في محيط يزداد حموضة
هناك دائماً متّسع من الوقت للعمل في الصيف القطبي، فاليوم 24 ساعة نهاراً. خرجت مرة في منتصف «الليل» الى مقدّم السفينة، فرأيت الشمس ساطعة فوق الأفق ترفض المغيب. ورأيت شابين ينزلان أداة أسطوانية الى الماء، وشرح لي أحدهما: «هذا جهاز لالتقاط أغاني الحيتان وغيرها من أصوات الأعماق». فثمة قطعان من الحيتان تمكث في مياه المحيط المتجمد الشمالي خلال هذا الوقت من السنة.
في تلك الساعة المتقدمة من الليل المضاء، رافقتني الباحثة الاسبانية كريستينا روميرا في جولة على المختبرات الـ 12 على متن كاسحة الجليد. انها تجمع عينات مائية لمعهد علوم البحار في برشلونة، لدراسة محتوياتها من الكلوروفيل والبكتيريا والفيروسات والكائنات المجهرية القطبية الأخرى من أجل فهم أكبر لدورة الكربون. وسوف يخزن بعض هذه العينات في ثلاجات ببرودة متدنية تبلغ 80 درجة مئوية تحت الصفر باستعمال النيتروجين السائل.
داخل أحد المختبرات، رأيت شابة أمام وعاء يحوي نجوم بحر وأصدافاً وديداناً. هايكه لينك باحثة ألمانية توثّق التنوع الأحيائي في قاع المحيط المتجمد الشمالي والدور الذي يؤديه في النظام الايكولوجي. وقد عاينت معها ديداناً غريبة تعيش داخل أنابيب تبنيها من الافرازات اللزجة وطين القاع.
الدكتورة هايلي هنغ مهندسة كيميائية في وكالة البيئة الكندية، تقود دراسة دولية حول انتقال الملوثات جوّاً عبر القارات الى المنطقة القطبية الشمالية، والهدف قياس مستويات الملوثات العضوية الدائمة (
POPs) والزئبق في الهواء، ووضع نماذج كومبيوترية لوصف حركتها وتقييم تأثير تغير المناخ على ترسبها في المنطقة القطبية الشمالية. وقد عُثر على هذه الملوثات السامة بمستويات عالية في بعض الثدييات البحرية التي يستهلكها سكان المناطق الشمالية، حيث تتراكم وتبقى في الجسم وقتاً طويلاً. ورأيت سيلفيا غريميز ـ كورديرو، من الأرجنتين، تثبّت فوق حافة السفينة جهاز ليزر لقياس منحنيات الأمواج، وهذه إحدى الطرق لاحتساب انتقال الغازات بين الهواء والماء. وهي تجري أبحاثاً حول التفاعل بين الهواء والمحيط في «طبقة الحدود» ضمن أول 10 أمتار من الغلاف الجوي وأول خمسة أمتار من المياه.
وأوضحت أن هذا مهم في احتساب ما يمتصه المحيط من ثاني أوكسيد الكربون الجوي، وهو غاز الدفيئة الرئيسي المتهم بزيادة الاحترار العالمي.
كلما امتص البحر مزيداً من ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي تزداد حموضته. وقد أظهرت دراسة حديثة أن بعض الحيوانات البحرية تتأثر بالمياه الحمضية. فقد وضع علماء من السويد وأوستراليا قنافذ بحر (توتياء) لتتزاوج في مياه أكثر حموضة بثلاثة أضعاف يتوقعها العلماء للمحيطات في نهاية القرن الحالي. وتضع إناث قنافذ البحر بيوضها في المياه لتلقحها الحيوانات المنوية التي يطلقها الذكور. ولكن في هذه المياه الحمضية انخفض معدل تكاثرها بنسبة 25 في المئة، لأن الحيوانات المنوية باتت تسبح بشكل أبطأ وأقل فعالية. ويعمل الباحثون حالياً لمعرفة ما إذا كانت حيوانات بحرية أخرى تبدي تأثراً مماثلاً، خصوصاً الأنواع التجارية مثل الكركند والسلاطعين والمحار والأسماك.
تقلّص مكيف هواء الأرض
خسر القطب الشمالي نحو ثلث جليده منذ بدء القياسات بواسطة الأقمار الاصطناعية قبل 30 عاماً. وتتقلّص كتلة الجليد الدائم بمعدل 70 ألف كيلومتر مربع سنوياً. وإذا استمر الذوبان بهذا المعدل المتزايد، يتوقع العلماء أن يصبح الصيف القطبي خالياً من الجليد ربما في موعد لا يتجاوز سنة 2013.
المنطقة القطبية الشمالية، التي توصف بأنها «مكيف هواء الأرض»، تساعد في تبريد الكوكب بواسطة جليدها البحري الأبيض العاكس لأشعة الشمس. ولها تأثير قوي على الأحوال الجوية، خصوصاً في النصف الشمالي للكرة الأرضية. لكن الاحترار في هذه المنطقة بلغ نحو ضعفي الاحترار الذي شهدته بقية الكرة الأرضية في العقود الأخيرة. والذوبان الكاسح سيؤدي الى عدم ارتداد أشعة الشمس عن الأرض، مما يخفض عملية التبريد هذه ويزيد الاحترار ويخل بأنماط الطقس فتزداد العواصف والأعاصير، كما سيشوّش النظم الايكولوجية البحرية ويدمر الحياة الفطرية، بما في ذلك الدببة والفقم.
هنا قصة محزنة عن الدببة القطبية. فهي تستعمل الأطواف الجليدية كوسيلة انتقال واستراحة لصيد الفقم. ومع تسارع ذوبان الجليد، تعلق أحياناً على طوف جليدي وسط المياه ولا تستطيع القفز الى طوف آخر لا وجود له في مكان قريب، فتسبح وتغوص من أجل الصيد. وأحياناً تبعد مسافة كبيرة جداً، فتتعب كثيراً أثناء محاولتها العودة الى البر أو الى الحيد الجليدي الذي قد يبعد أكثر من مئتي كيلومتر. لذلك فهي تغرق.
الحرب الباردة الثانية
‘’أجل، المنطقة القطبية الشمالية تسخن الآن، لكنها سوف تبرد من جديد في غضون ثلاث سنوات»، قال لي أندريه روبشينيا، وهو عالم محيطات روسي.
وأضاف: «هناك حقبات من التسخين وحقبات من التبريد. الانبعاثات الكربونية عامل طفيف في عملية الاحترار العالمي. وما لم يتم تفجير ألف قنبلة نووية، لا أستـــطيع أن أتصور أي قوة بشرية قادرة على مواجهـــة القوى العظمى للطبيعة». وخلص الى أن «تغير المناخ قضية سياسية». في آب (أغسطس) 2007، قام رجلا قانون روسيان في غواصة صغيرة بغرس علم روسي في قاع القطب الشمالي. وكان ذلك اجراء آخر في ادعاء روسيا الحق في ملكية 1,2 مليون كيلومتر مربع، أي نحو نصف قاع المحيط المتجمد الشمالي. ورداً على ذلك، أعلن رئيس وزراء كندا ستيفن هاربر خططاً لبناء قاعدتين عسكريتين جديدتين في الجزء الكندي من المنطقة القطبية الشمالية.
مع ذوبان الجليد أسرع من أي وقت مضى، ثمة مسألة حيوية الآن هي: من سيملك حق التنقيب عن الرواسب المعدنية الهائلة المحتملة تحت القاع؟ فبحسب كثير من الجيولوجيين، قد تحوي المنطقة القطبية الشمالية نحو 25 في المئة من النفط والغاز الطبيعي غير المكتشفين في العالم.
البلدان المطلة على المنطقة والتي تدعي حقوق التنقيب تشمل روسيا والولايات المتحدة وكندا والدنمارك والنروج وأيسلندا. وثمة مخاوف من أن هذه الفورة المستجدة قد تمهد الطريق لنوع جديد من الحرب الباردة.
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تحدد حقوق البلدان في محيطات العالم. فالدول الساحلية يمكن أن تملك سيادة اقتصادية على نحو 200 ميل بحري (370 كيلومتراً) قبالة شواطئها. لكن يمكن لدولة ما أن تدعي بحقها في مناطق تتعدى هذا الحد، اذا كان جرفها القاري يمتد أكثر. وقد بدأ «السباق» بادعاء روسيا الحق في ملكية سلسلة جبال لومونوسوف الضخمة في قاع القطب الشمالي.
ويحاول الدنماركيون أن يثبتوا أن الجانب التابع لهم من سلسلة الجبال هذه ـ والمنفصل حالياً عن جرفهم القاري ـ كان في ما مضى جزءاً من جزيرة غرينلاند التي تملكها الدنمارك. وفي هذا السباق المحموم، قد تصدّق الولايات المتحدة أخيراً على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتطالب بحقها في امتلاك الجرف القاري الممتد شمالاً من ألاسكا.
الاتفاقية تحكم أيضاً حقوق الملاحة، التي هي مثار اهتمام كبير الآن بعد الانفتاح الكامل لـ»الممر الشمالي الغربي» المختنق عادة بالجليد، للمرة الأولى في صيف 2007. فمع الاحترار العالمي وذوبان الجليد، قد يصبح هذا الممر قناة ملاحة تجارية تقصِّر الى حد كبير مسافة الابحار بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ.
وتطالب كندا بحقوق في هذا الممر، الذي يتعرج بين جزر أرخبيلها الشمالي. وثمة دعوات الآن للتوصل الى حل ديبلوماسي متعدد الأطراف لكي لا تنزلق منطقة المحيط المتجمد الشمالي الى نزاع مسلح.
أين الجليد؟
عام 2007 سجل رقماً قياسياً بذوبان أكثر من مليون كيلومتر مربع من الجليد البحري في منطقة القطب الشمالي، لتصبـــح مساحة الكتلة الجليدية البحرية 4,2 مــــليون كيلومتر مربع، بالمقارنة مع 7,8 مليون كيلومتر مربع عام 1980. وفيما يحكم الاحترار العالـــــمي قبضـــته، يتوقع علماء أن تكسر السنة الحالية هذا الرقم وتشهد أسوأ انكماش للغطاء الجليدي في التاريخ المسجل. لكنهم لن يعرفوا مدى الخسارة إلا حين تبلغ الكتلة الجليدية أدنى مستوياتها في منتصف أيلول (سبتمبر).
معظم العلماء يؤكدون أن الاحترار العالمي ناجم عن أعمال البشر، خصوصاً حرق الوقود للصناعة والنقل وانتاج الطاقة. لكن علماء آخرين يصرّون على أن هذه مرحلة في دورة طبيعية، يسخن فيها جو الأرض ثم يبرد بعد حين. بل ان أناساً كثيرين يؤمنون بأن ما يحصل هو غضب الله على خليقته التي استخلفها على الأرض فعاثت فيها فساداً.
لقد أبحرتُ في المحيط «المتجمد» الشمالي ولم أرَ جليداً يذكر. هذا أمر يكاد لا يصدق. وأياً يكن السبب، فالاحترار العالمي حقيقة، وذوبان الجليد عملية حاصلة. وعلينا جميعاً، أفراداً ومؤسسات وحكومات ومجتمعاً دولياً، أن نفعل شيئاً حيال هذا الأمر. ومهما تكن مساهمة البشر في هذا الاحترار كبيرة أم صغيرة، فإن «كسر عادة الكربون» بالتقليل من حرق الوقود واستهلاك الطاقة سينفع في كل حال. فإن لم يخفف الاحترار، فسوف يخفف بالتأكيد فداحة التلوث واستنزاف الموارد الطبيعية.
(ينشر بالتزامن مع مجلة «البيئة والتنمية» عدد أيلول / سبتمبر 2008).
مجلة البيئة والتنمية 


"سلايدشير".. يتم 4 سنوات ولانكاد نعرفه

"سلايدشير" .. يتم 4 سنواتولا نكاد نعرفه
"سلايدشير".. يتم 4 سنوات ولانكاد نعرفه
يحظى بـ 25 مليون زيارة شهريًا..

مروان المريسي
        في كثير من المحاضرات الجامعية وغيرها يحدث؛ وياما يحدث أن يتسابق الحضور في ختام المحاضرة إلى المنصة ليطلبوا من مقدم المحاضرة إرسال نسخة من العرض التوضيحي إلى ذاكرة التخزين الخاصة بهم، لتلافي هذه العادة السيئة بما تحمله من هدر للوقت واحتمال فشل الإرسال كانت الحلول التقليدية تقوم على أن يضع المحاضر العرض التوضيحي على الإنترنت ليأخذه من شاء، تماماً كما هو الحال مع ملفات الفيديو.
        وبالمقارنة بملفات الفيديو والطريقة القديمة التي كانت تستدعي أن تقوم بتنزيل الفيديو بالكامل لتبدأ في مشاهدته، جاء يوتيوب ليحل هذه المشكلة، ولعلك فكرت يوماً أثناء زيارة لموقع يوتيوب؛ وتساءلت: ماذا لو أن موقعاً آخر صُمم على نفس الواجهة ولكن.. ليس لملفات الفيديو وإنما للعروض التوضيحية وفق الصيغ الإلكترونية PowerPoint، أو PDF، بحيث يمكن للزائر أن يطالع العرض في الموقع ذاته دون الحاجة لتحميله.. دعني أخبرك أنه يوجد موقع عالمي واسع الانتشار يقوم على فكرتك وهو اليوم يتم 4 سنوات.
        سأكون أكثر دقة، فموقع slideshare.net أتم 4 سنوات وشهر حتى الخميس الماضي 4 نوفمبر 2010، فقد انطلق في 4 أكتوبر 2006، بقيادة رئيس تنفيذي مثابر يؤمن بأن نجاح المشاريع على الإنترنت يقوم على التعاون الحقيقي بين المصممين والمبرمجين، لكنه هذه المرة امرأة؛ أمريكية من أصول هندية تدعى Rashmi Sinha  تحمل درجة الدكتوراة (دكتوراه في ايه؟) من جامعة براون الأمريكية، وقامت ببحث في جامعة كاليفورنيا في بيركلي عن محركات البحث، والأنظمة المرشحة (التي تقوم بانتخاب نتائج معينة للمستخدم وعرضها عليه بناء على ملفه الشخصي مثلاً).
أمام إصرار وحماس "راشمي" لم يكن غريباً أن تُختار ضمن 25 سيدة أعمال الأكثر تأثيراً في وادي السليكون ؛ كما اختيرت ضمن قائمة 13 سيدة يتحكمن بالإنترنت ،أما موقع FastCompany فقد اختارها ضمن قائمة النساء الأكثر تأثيراً في الجيل الثاني من الإنترنت.
راشمي

ما هو سلايدشير؟
        سلايدشير هو موقع لمشاركة العروض التقديمية Presentations، يمكنك عبره إدراج عروضك إلى موقعك، أو مدونتك، أو حساباتك في الشبكات الاجتماعية، كما يمكنك من خلاله مشاركة غيرك بعروضك سواءً بشكل عام أو خاص، كذلك تستطيع من خلاله الترويج لمنتجاتك بالتعريف بها، ناهيك عن الانضمام لمجموعات يشاركك أعضاؤها نفس اهتماماتك.

وبإيجاز لك أن  تقول: سلايدشير هو "يوتيوب العروض التقديمية" فواجهة الموقع تكاد تكون واجهة يوتيوب عينها.
        ولئن كانت الصورة تساوي ألف كلمة، فكم ستساوي الصورة في كل شريحة من شرائح العرض التقديمي على سلايدشير، إذا وُظفت التوظيف المتقن بإضافة إحصائية واحدة أو جملة مركزة في نخاع العظم؟
يمكن القول إذن إن استخدامك لسلايدشير يعني أن تشارك غيرك بمعلومات بالغة في التركيز، فعلى مدى أربع سنوات مضت من عمر الموقع؛ كان لفن تصميم العروض البديعة أصحابه الذين رفعوا من القيمة الحقيقية للموقع حتى اختير في ديسمبر 2009 ضمن قائمة الجارديان المئوية لأهم مواقع الإنترنت، ليبدأ الموقع بعدها في التفكير بدخول عالم الإعلانات على الإنترنت، وهو ما حدث بالفعل، إذ بات سلايدشير يضع إعلانات مرافقة للعروض التقديمية، فيما يمنح أحقية الحصول على حسابات للمشتركين بدرجات متباينة، فهناك الحساب البلاتيني وكذلك الذهبي وهناك الفضي، وبالتأكيد الحساب المجاني ولكل من هذه الحسابات خصائص معينة.
        غياب عربي
كغيره من مواقع الشبكات الاجتماعية العملاقة، مثل يوتيوب، وفيسبوك، وتويتر، وفليكر، وغيرها أخذ موقع سلايدشير نصيبه من الانتشار العالمي، إذ يحظى اليوم بـ 25 مليون زيارة شهريًا لصفحته الرئيسية و70 مليون زيارة لعروضه، فهو موقع "يوفر معلومات مختصرة لموضوعات دسمة" كما يقول مازن الضراب (الرابط هنا لا داعي له)، الناشط في الشبكات الاجتماعية وأخصائي التسويق الإلكتروني صاحب مدونة التجارة الإلكترونية، الذي أضاف لـ (الجزيرة توك): "العروض التقديمية في سلايدشير تعطيك (زبدة) أي موضوع، والاعتماد على الموقع قد يساعدك في تكوين صورة عامة تقريبية لأي موضوع".
ولفت إلى أن: "عروض الموقع باتت ضمن النتائج الأولى في محرك البحث جوجل لكثير من الموضوعات التي أبحث عنها".
من جهتها تقول الإعلامية والمدونة نوف عبدالعزيز : إن الموقع سهل التعامل حتى لغير الناطقين بالإنجليزية، "وقد كانت لي تجربة ممتعة جدًا مع الموقع بل جعلته في المفضلة، فكثيراً ما عدت وسأعود إليه للاطلاع على جديد العروض المذهلة في الموقع، مثل عرض SMOKE - The Convenient Truth الذي استعصى على النسيان".

أما المهندس محمد بدوي (لا داعي للرابط هنا)مؤسس ومدير الفريق العربي للبرمجة، فيرجع السبب إلى أن كثيرًا منا نحن العرب لا يحبون مشاركة الآخرين، وكثيراً ما يحتفظون بمواد قيمة في حواسيبهم الخاصة، لكنهم لا يطلعون الآخرين عليها، ويضيف لـ (الجزيرة توك): "ثمة مشكلة أخرى؛ فكثيرون ينشدون الاحترافية منذ التجربة الأولى، ويتخوفون من الفشل ويتوهمون أن العروض المتواضعة قد تعكس صورة سلبية عن أصحابها، فيما يؤكد الواقع أن العمالقة بدؤوا بفشل ثم طوروا مهاراتهم ليصلوا إلى ما وصلوا إليه".
بدوي يؤكد على أهمية ثقافة "صناعة العروض التقديمية"، فهو كذلك مدرب في التنمية البشرية ولا غنى للمدربين عن مثل هذه العروض، ومن الظريف أن صاحبنا صمم عرضاً عن صناعة العروض عنون له بالسؤال:  كيف تبني عرضاً احترافياً؟
دعوة للتنافس
        لم يكتف القائمون على موقع سلايدشير بالنشاط الطبيعي المتمثل في ضخ العروض التقديمية يومياً بكل جديد من قبل المستخدمين، وإنما دشنوا؛ وفي خطوة متقدمة، مسابقة عالمية لأفضل العروض المصممة عام 2010، تتيح للمبدعين استعراض عضلاتهم في كل من الفكرة والتصميم والإخراج الجذاب وطريقة معالجة الموضوع الذي يتناوله العرض التقديمي، مخصصين لذلك عدداً من الجوائز المغرية من منتجات آبل.
وإلى جانب لجنة التحكيم الخماسية يمكن للزوار التصويت لأفضل العروض ودعوة غيرهم للتصويت عبر فيسبوك وتويتر، مخصصين الـ"هاش تاغ" : #wbpc لمن يريد الاطلاع على آخر ما صوت عليه الآخرون.
حان وقت العرض!
سواءً أعزمت النية على المشاركة في هذه المسابقة - الفوز فيها شيءٌ آخر– أو فكرت في مشاركة الآخرين عرضك التقديمي الأول سيكون من الأفضل أن تطالع العروض التقديمية الأكثر شعبية على الموقع، ولك أن تتلافى 7 طرق تقتل عرضك التقديمي، أما في حال قررت أن تحول موضوعنا هذا إلى عرض تقديمي؛ فدعنا نطمئنك إلى أن جميع الحقوق من حقوق الجميع.. فانطلق.

الخميس، 23 ديسمبر 2010

العثرب نبات من ارض اليمن

"العثرب.... يمني "    
عمر الحياني 

نشرت بصحيفة الثورة 
بتاريخ 21 ديسمبر2010م 

إن الأرض التي ينمو فيها العثرب هي أرض يمنية , قالها محمد صالح منذ ثلاثة عقود  أثناء نقاش دار  بين أهالي القرية حول  بعض النباتات  (لا يعلم أن العثرب ينمو في كثير من الدول منها أثيوبيا وكينيا  وتنزانيا  الخ ) ما زالت هذه العبارة ترن على مسامعي كلما رأيت نبات العثرب ومع ذلك فالنبتة يمنية الانتماء والروح
فأحد الأفراد القادم من ريف محافظة اب جلب معه  نبات العثرب إلي حديقة منزله  في صنعاء  , حيث قال إنها تشعره بالحنين لريف أب و  العثرب يجعله يعيش ذلك الحنين .


ويعد العثرب  من النباتات العشبية  المعمرة والتي تنمو في البرية , ويكثر منابتها  على  بطون وضفاف الأودية وجوانب الطرقات وممرات السيول , وتنمو كمجموعات  متلاصقة   , ويبلغ ارتفاع سيقانها المتر والنصف , و هي ذات خضرة دائمة وأزهارها تميل إلي اللون الوردي الفاتح .

وينبت العثرب في اليمن  على امتداد واسع من جبال وسهول اليمن وبالذات السلسلة الجبلية في المناطق الغربية والوسطى ,  منها محافظة اب , تعز , ذمار, صنعاء, المحويت   .
يرتبط ذكر العثرب في ريف اليمن بشجرة القات , وكأنهما صنوان لا يفترقان , فهما ينبتان في ظروف مناخية  واحدة .
ناجي على القادم من ريف أب  ما زال يتذكر بحسرة  كيف كان العثرب يحفظ أغصان القات لأيام محتفظا بجودة الطعم ورطوبة الأغصان ،  ولا تطيب تناول القات في أوقات  بعد الظهيرة  إلا ملفوفا بأغصان العثرب الطري والغض.

العثرب على طاولة البحث العلمي

ويعد العثرب من النباتات التي كانت ومازالت تجد لها إقبالا للتداوي بها من بعض الأمراض الجلدية والمعوية ,في بعض مناطق اليمن .
خضع  العثرب لطاولة  البحث العلمي في مختبرات الأبحاث , ففي إحدى الدراسات التي أجريت في جامعة الملك عبد العزيز بالرياض توصلت  إلي أن عصارات العثرب عبارة عن  زيوت طياره  ومواد سكريه من ضمنها سكر الجلوكوز وبعض الأحماض  الامينية والمواد الكربوهيدراتية  وبعض المواد الأخرى .
احتوى العثرب على الجلوكوز  يفسر مذاقه المساعد على  تناوله في بعض مناطق اليمن, فلطالما كان ملاذ أمانا لرعاة الأغنام والأبقار  في سفوح الهضاب وبطون الأدوية , لتخفيف حدة الجوع ، عبر تناول أغصانه الطرية و أوراقه الخضراء  مخلوطا بالتين البري(البلس ).

  فأم يحيى تسرد حكايتها مع العثرب بقولها لطالما أكلنا العثرب مع البلس (التين) أو تناولنا أغصانها الطرية فهي لذيذه وتقضي على الدود , وتواصل حديثها بالقول إن أفضل الخبز البلدي ما كان حطبه من العثرب فهو يعطي مذاقا جميلا .
ويستخدم العثرب في تعز وخاصة  في شهر رمضان مخلوطا مع البطاطس، وعند نضجها تُعجن ويضاف إليها الحليب, ويعتبر العثرب نبتة جيدة لحفظ الخضروات والفواكه  .

الدراسة سابقة الذكر توصلت  إلي أن   مستخلص العثرب يعطى تأثيرا مثبطا لنمو طفيل الليشمانيا  الجلدية (مرض  الليشمانيا ينشا من لدغة بعوض الرمل مسببة تشوهات خلقية  في الوجه أو الجلد).
ويستخدم العثرب  في الريف كضماد للجروح  و تجبير كسور العظام , ومسكن لآلم الآسنان, أو كسواك لتنظيفها, إضافة انه يعد مضاد و طارد للديدان (كالإسكارس)  , وهو ما أكده الدكتور جميل القدسي في احد لقاءاته بقوله "أن العثرب ( Rumex ) نبات عشبي معمر الجزء المستخدم منه الأغصان الفتية الطرية الطازجة يؤكل غصن إلى غصنين فيقتل دودة الاسكارس وهي وصفة مجربة".
وقديما ذكر العثرب في بعض المراجع  فهو عند ابن منظور، نوع من الحُمَّاض «العُثْرُبُ: شجر نحوُ شجر الرُّمَّان في القدر، وورقه أحمر مثلُ ورق الـحُمّاضِ، تَرِقُّ عليه بطونُ الماشية أَوَّل شيءٍ، ثم تَعْقِدُ عليه الشَّحْمَ بعد ذلك، وله عسالِـيجُ حُمْرٌ، وله حَبٌّ كحَبِّ الـحُمَّاضِ، واحدته عُثْرُبة.
وورد في بعض كتب التاريخ أن العثرب يستخدم في الدباغة إلا أنه يجعلها قاسية كما قال أبو الغَمر العَضَليّ :
لانَ ولم يُخْلَطْ لَهُ بالعُثْرُبِ     فهو كبُرْدِ اليُمْنَةِ المُهَدَّبِ
ويستخدم العثرب كواحد من النباتات المفيدة للبيئة والإنسان ,فهو مخصب للتربة لاحتواها على العديد من العناصر الهامة لنمو الأشجار بالاضافة الى تثبيت التربة ومنعها من الانجراف  .