الثلاثاء، 29 مارس، 2016

الـ«ماتريكس» الذي يجمعنا.. فيس بوك يبتلع الإنترنت

الـ«ماتريكس» الذي يجمعنا.. فيس بوك يبتلع الإنترنت

 أحمد الخطيب - ساسة بوست
هل سَبَق وأن حلمت حلمًا، يا نيو، وكنت متأكدًا تمامًا من أنَّه حقيقة؟ ماذا لو سُلِبتَ القُدرة على أن تُفيق من الحُلم؟ كيف ستتمكَّن من معرفة الفرق بين عالم الأحلام والعالم الحقيقي؟ -«مورفيوس» مُخاطبًا «نيو» من فيلم «المصفوفة» (The Matrix).
أنتَ جئت إلى هنا عن طريق «فيس بوك». رُبَّما تشعر بالفزع قليلًا ممَّا سيخبرك به التقرير. أين ستذهب حينها؟ ستسرع إلى «فيس بوك» نفسه لتُخبِر «أصدقاءك» بما قرأت: «انظروا! إنَّ «فيس بوك» يحاول السيطرة على العالم!».



لقطة «نيو» والخيار بين الحبتين الزرقاء والحمراء من فيلم The Matrix (المصفوفة).
ليس هذا حديثًا عن تأثيرات «فيس بوك» في التواصل بين البشر والعمل، أو حتى الحالة النفسية (مثلما تلاعب بمشاعر 700 ألف مستخدم في تجربةٍ نفسيةٍ دون علمهم)؛ كلُّها أمورٌ مهمةٌ، بالتأكيد، لكنها تُغفِل هدفًا يبدو أنَّ «مارك زوكربيرج» – الذي يُوصف بأنَّه «مهووس بالمنافسة وبأن يبني أحدٌ غيره شيئًا أنجح منه» – لن يهدأ حتَّى يُحققه: لا يسعى «فيس بوك» لأن «يشتري» الإنترنت أو يُصبح موقع التواصل الأكثر زيارةً بين مستخدميه (هو كذلك بالفعل)؛ «فيس بوك» يريد أن يكون هو «الإنترنت»، بطريقةٍ أو بأخرى.

فيس بوك: كوكاكولا التواصل الاجتماعي

هل تعرف ما هي قوة «كوكاكولا» بالتحديد؟ هل هي المليار و900 مليون مشروب التي تُستهلك من منتجاتها يوميًا في 200 دولة (أكثر من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة)؟ رُبَّما لا؛ فقوة الشركات الحقيقية تكمُن في انتشارها، وبتعبيرٍ أدق، في قدرتك على الهروب منها.

هذا هو ما تفعله «كوكاكولا» بـ500 علامة تُجارية قد تستخدم الكثير منها دون أن تدري أنَّها مملوكة لـ«كوكاكولا».

وللسبب نفسه، لم تعُد قوة «فيس بوك» تكمُن، فحسب، في عدد مستخدميه النشطين، الذي يصل إلى مليار و600 مليون مستخدمٍ تقريبًا، بل في قدرتهم على الهروب منه، أو بالأحرى عجزهم عن الهروب من المنصات التي طوَّرها أو استحوذ عليها، مثل «إنستجرام» و«واتساب».


تحديث «مجتمع فيس بوك» بالأرقام في نهاية يناير (كانون الثاني) 2016.
خيوط القصَّة تجتمع في تحقيقٍ أجراه موقع FastCompany بمصادر خاصة من داخل «فيس بوك» وخارجه. وفقًا لـ«جوش ويليامز»، مؤسس شركة Gowalla الناشئة (التي استحوذ عليها «فيس بوك» ثمَّ أغلقها) وأحد المبرمجين السابقين في «فيس بوك»، تأخَّر «زوكربيرج» وزملاؤه كثيرًا في إدراك مكمن قوة «فيس بوك» وكيف يريد الناس أن يستخدموه في المستقبل، رغم توافر معلوماتٍ لديهم منذ أكثر من ثلاثة أعوام: تطبيقٌ واحدٌ أزرقُ كبيرٌ لم يعُد يكفي؛ يجب على «فيس بوك» أن يفصل خدماته عن بعضها قدر الإمكان.

دَعك من الشعارات الشهيرة التي تحتل واجهة تطبيقات التواصل والمحادثات: «فيس بوك»، و«واتساب»، و«إنستجرام»؛ فرهان «زوكربيرج» الحقيقي لبناء شيءٍ أسطوريٍ يجري في الخلفية: المحتوى، وتوصيل الإنترنت لكافة سُكَّان الأرض، وخدمات الموبايل وتحويلها إلى مصدر هائل للأموال، والواقع الافتراضي.. أو أن يتجنَّب «فيس بوك» مصير «تويتر» الذي يُصارع من أجل أن يبقى في مكانه، أن يبقى فقط.

يؤمن «زوكربيرج» بما يُعرَف بـ«طريقة الهاكر» في العمل، الذي تجلَّى في شعار «فيس بوك» الأوَّل: «تحرَّك بسُرعة وحطِّم الأشياء»؛ ويبدو أنَّ «تحطيم الأشياء» يسيرُ في خطَّة مُحددة لتحقيق خمسة أهداف ستُغير وجه الإنترنت.

1. «فيس بوك» هو المصدر لا الناقل


مع كل تعقيدات الخوارزمية التي لم يكُن يتخيَّلها أحدٌ – حتى «مارك زوكربيرج» نفسه – حين أعلن موقعه «The Facebook» للمرة الأولى قبل 12 عامًا، كان نموذج عمل «فيس بوك» وعلاقته بالناشرين (المؤسسات الصحفية، والمواقع الإلكترونية، وقنوات التلفاز، و«صانعي المحتوى» بوجهٍ عام) يعتمد على أنَّ «فيس بوك» هو منصةُ تواصلٍ، يستخدمها الأفراد والشركات للوصول بـ«المحتوى» إلى الجمهور، سواءٌ أكان «الجمهور» هنا


هم «الأصدقاء» أم «القُرَّاء» أم «المشاهدين».

لم يكُن «فيس بوك» قط مُنتِج المُحتوى أو مصدره؛ وهو الأمر الذي أحدث جدلًا منذ أشهرٍ حين أُثير سؤال: لماذا لا يدفع «فيس بوك» جزءًا من أرباحه لمستخدميه – الأفراد والشركات – (مثل «يوتيوب») نظير ما يصنعونه من محتوىً يستفيد منه «فيس بوك» في الإعلانات والأرباح؟ السؤال، على المستوى النظري، مشروعٌ بالتأكيد، لكن المستخدمين كان لهم رأيٌ آخر عبَّروا عنه ببساطة: سنستمر في مشاركة المحتوى على «فيس بوك» مجانًا، وبشراهة، بل سندفع لـ«فيس بوك» ليصل المحتوى إلى مستخدمين أكثر.

الآن طوَّر «فيس بوك» (بعد تجربةٍ مع ناشرين كبار مثل «نيويورك تايمز» وBuzzFeed، و«ناشونال جيوغرافيك») خاصية «المقالات الفورية» (Instant Articles) وسيُتيحها للناشرين كافةً في مؤتمره F8 Conference في إبريل (نيسان) المقبل.

ماذا يعني هذا بالضبط؟ باختصار، لن يضطر المستخدمون إلى ترك عالم «فيس بوك» حين يضغطون على رابطٍ لمقالٍ أو خبرٍ أعجبهم، وإنَّما سيُعرَض المقال أو الخبر داخل «فيس بوك» مباشرةً بسرعة تحميل تبلغ 10 أضعاف سرعة تحميل المواقع لاعتمادها على الذاكرة المؤقتة (cache). 

ودون الدخول في تعقيدات نموذج الربح الذي سيربط «فيس بوك» بالناشرين، فإنَّ ما يعرفه الجميع (دون أن يكون في مقدورهم بالضرورة ما يسمح لهم بإيقافه) هو أنَّ الناشرين – مهما كان حجمهم – في طريقهم ليفقدوا السيطرة على محتواهم، وطُرُق عرضه، وكيفية تفاعل مُستخدمي «فيس بوك» معه؛ وهي صفقةٌ خاسرةٌ لا يملكون رفضها لأنَّ محاولاتٍ سابقةً لإيجاد بديل لـ«فيس بوك» قد باءت بالفشل.


فيس بوك يتصدر توزيع نسبة مصادر الزيارات للمواقع الإخبارية. المصدر: Mashable
في مستقبلٍ أكثر قتامةً للناشرين، وربَّما للصحافة نفسها، ستُصبح المؤسسات الصحافية والإعلامية بمثابة «قطاع إنتاج المحتوى في فيس بوك»، الذي سيحتل بدوره مكانة «رئيس التحرير» والمالك (مالك الخوارزمية وتقنية النشر) في آنٍ واحدٍ: أي ما يُعَد، في عُرف الصحافة والإعلام، سيادة شبه مُطلقة ستجعل اسم «فيس بوك» هو الأقرب والأكثر لمعانًا عند الحديث عن الأخبار والمقالات قبل منتجيها الحقيقيين.








2. «فيس بوك» يُقدم لكم: الإنترنت

في النصف الأول من عام 2014، استحوذ «فيس بوك» على فريق شركة Ascenta البريطانية بصفقةٍ كلَّفت 20 مليون دولار أمريكي. ما تخصُّص الشركة؟ إنتاج طائرات دون طيَّار (drones).

وبعد عامٍ تقريبًا، أعلن «فيس بوك» إطلاق مشروع إيصال الإنترنت مجانًا إلى المناطق النائية في الدول النامية باستخدام طائرات دون طيار، وبالتعاون مع مبادرته Internet.org، ومُقدمي خدمات الاتصالات في 38 دولة؛ ليُقدِّم مشروع Free Basics فرصة تصفُّح مواقع مُعيَّنة مجانًا، «فيس بوك» هو أهمها بكل تأكيد (أوقفت مصر والهند خدمة Free Basics بعد تشغيلها لمدةٍ قصيرةٍ).

يبلُغ تعداد سُكَّان الأرض الذين يتمتعون باتصالٍ بالإنترنت حوالي ثلاثة مليارات و400 مليون إنسان، أي 46% تقريبًا من إجمالي البشر. قد يبدو هذا الرقم ضخمًا، لكنه بالنسبة إلى «فيس بوك» ومثيلاتها من شركات التقنية التي تُبشِّر بخططٍ طموحةٍ لـ«إنترنت مجاني للجميع»، سوقٌ مفتوحةٌ تُمثِّل كل دقيقةٍ غير مُستغلَّة فيها خسارة كبيرة.


المصدر: InternetLiveStats
«فيس بوك» ليس مشروعًا خيريًا (حتَّى وإن أعلن الزوجان «زوكربيرج» التبرُّع بـ99% من أسهمهما في «فيس بوك»)، يقول الباحث «إيفجيني موروزف» في مقالٍ بموقع «الجارديان» (تجد ترجمته هنا)؛ فالفقراء سيدفعون بياناتهم الشخصية ثمنًا له، وثمنًا لرغبة «فيس بوك» في «الاندماج الرقمي» لكل إنسانٍ على الأرض، حتَّى وإن لم يستطع تحمُّل تكلفة أي شيء على الإنترنت خارج إمبراطورية «فيس بوك».

فبقصدٍ أو دون قصدٍ، يضع «فيس بوك» نفسه في موضع الإنترنت بأكمله. لديك «فيس بوك»؛ إذًا لديك إنترنت.

3. الموبايل

في عام 2014، كان السؤال الذي يؤرِّق «فيس بوك»، ومعها شركات التكنولوجيا كافةً، هو: هل يُمكن أن يُصبح عائد الاستثمار في خدمات الموبايل مُجزيًا حقًا؟

حتَّى وقتٍ قريبٍ، كان «فيس بوك» بالأساس – على الأقل في أنظار مستخدميه – هو «الموقع الأزرق» أو الصفحة الرئيسية (News Feed)، لكنه يريد من الآن أن تُعيد ترتيب معلوماتك وإدراكك لما يعنيه «فيس بوك» بصورةٍ جوهريةٍ، أقرب إلى منصَّة مُتكاملة على الأجهزة الذكية لا على أجهزة سطح المكتب (desktop).

ووفقًا للعديد من التقارير، سيُعلن «فيس بوك» في مؤتمره F8 Conference في إبريل (نيسان) المقبل عن إضافةٍ جديدةٍ لتطبيق «ماسنجر» رُبَّما تكون أكثر شيءٍ ثوريةً في عالم تطوير التطبيقات منذ إطلاق «متجر أبل» (App Store) في عام 2008: متجر لتطوير البرمجيات المُصغَّرة (Bot Store) يسمح للشركات والمُطوّرين بربط أعمالهم مباشرة بتطبيق «ماسنجر». ماذا يعني هذا؟ يعني أنَّك ستستطيع شراء وحجز كل شيء تقريبًا عن طريق «ماسنجر» نفسه؛ فعلى سبيل المثال: يُمكنك أن تطلب سيارة خاصة من Uber، وتحجز تذكرةً للسينما، وتطلب وجبةً من مطعمك المُفضَّل، وفي الأثناء تشتري أحدث ألبوم لمُطرب تُحبه.. كل هذا دون أن تفتح تطبيقًا غير منصة التواصل التي أجبر «فيس بوك» مستخدميه على الانتقال إليها بعد أن فصل خدمة المحادثات الفورية عن الاستخدامات الأخرى لتطبيق «فيس بوك».

هذه الإضافة تنضم إلى سلسلةٍ من الخواص التي أضافها «فيس بوك» إلى تطبيق الموبايل حوَّلته من مُجرَّد منصة للإعلانات ذات وصول (reach) مُرعب إلى منصة إعلان وبيع مُتكاملة، مثل: تحديثات التسوُّق (Shopping Feed)، وخدمة البحث عن المنتجات، وخواص جديدة للبيع المباشر لصفحات الشركات التي لا تستطيع بناء موقع خاص بها، والإعلان عن التطبيقات وتحميلها (الخدمة التي ضاعفت تحميل التطبيقات في الربع الأخير من عام 2015 بنسبة 196% ورفعت الإنفاق على الإعلان عن التطبيقات في العالم أجمع بنسبة 155%).


فيس بوك احتل سريعًا المركز الأول في قائمة مصادر تحميلات التطبيقات بعد إطلاق خدمة الإعلان عن التطبيقات على فيس بوك.
مثلما تنبَّأ «كريس ميسينا»، أحد مسؤولي التطوير في شركة Uber والموظف السابق بـ«جوجل»، أصبح 2016 هو عام «التجارة عن طريق المحادثات» (conversational commerce)؛ الأمر الذي قد يسمح لـ«فيس بوك» قريبًا بإعلان انتصارها التام في معركة إدرار الأموال من خدمات الموبايل (mobile monetization).


مصادر أرباح «فيس بوك» قبل الربع الأخير لعام 2015؛ والموبايل أصبح هو المصدر الأوَّل بفارق هائل عن الـdesktop.
4. سيادة عالم الفيديو

رُبَّما تندم «جوجل» كثيرًا في السنوات المُقبلة لعجزها عن بناء شبكة «تواصل اجتماعي» تستطيع أن تُزاحم «فيس بوك» (لا نحتاج هنا إلى الحديث عن فشل «جوجل بلس»).

«يوتيوب» هو، بكل تأكيد، موقع الفيديو الأوَّل على الإنترنت، لكن هل تذكُر ما قلناه في بداية التقرير عن أحلام «زوكربيرج»؟

يُهيمن «فيس بوك» على عالم الفيديو شيئًا فشيئًا؛ فقد تجاوز في أواخر عام 2014 إجمالي عدد مشاهدات «يوتيوب» للمرة الأولى.

ولم يتوقَّف الأمر منذ ذاك الوقت؛ فالآن يتجاوز مستخدمو «فيس بوك» 100 مليون ساعة من مشاهدات الفيديو كل يوم، وأعلن الموقع قبل نهاية عام 2015 تحقيق ثمانية مليارات مشاهدة يومية للفيديوهات (بزيادة تُقدَّر بـ50% في ستة أشهر فقط)؛ واكتمل بناء وجود «فيس بوك» في عالم الفيديو (الذي يدعوه الكثير من متخصصي التسويق «مستقبل الإنترنت») بإضافة طريقة عرض خاصة للفيديوهات تُميزها عن أنواع المحتوى الأخرى على «فيس بوك» وتجعل المستخدم يسترسل في المشاهدة بدلًا من الضغط على زر التشغيل بالصدفة حين يعجبه فيديو بعينه، بالإضافة إلى خواص أخرى، مثل الفيديوهات بتقنية 360 درجة.




لا يؤثر هذا في فُرَص منصات مشاركة الفيديوهات فقط (مثل «يوتيوب»)، وإنَّما يقع تأثيره الأكبر والأكثر مباشرةً على صانعي المحتوى المُستقلين الذين قد تنسد منافذ ربحهم بسبب حقوق الملكية الفكرية، التي يتساهل «فيس بوك» في تطبيقها، ربَّما عن عمدٍ، لتحقيق أكبر أرقام في عدد المشاهدات؛ فمعظم الفيديوهات التي تُعرض على «فيس بوك» مسروقةٌ من صانعي محتوى على «يوتيوب». يمكنك مشاهدة تفصيل هذا الأمر في الفيديو التالي الذي أعدَّته قناة Kurzgesagt على «يوتيوب» من هنا.

5. ريادة مستقبل الواقع الافتراضي

غطَّت صفقة استحواذ «فيس بوك» على «واتساب» بقيمة 19 مليار دولار أمريكي في فبراير (شباط) 2014 على الصفقة التي تمَّت بعدها بشهرٍ تقريبًا باستحواذ جديد لـ«فيس بوك» على شركة Oculus VR بقيمة ملياري دولار.

على مستوى الأرقام تبقى صفقة «واتساب» الأكبر في تاريخ شركات التكنولوجيا والاتصالات، لكن الصفقة الثانية تحمل تطلُّعات مُستقبلية أكثر بكثير.

يُبشِّر «زوكربيرج» بمستقبل الواقع الافتراضي (Virtual Reality) وتطبيقاته في مجال التواصل الاجتماعي كلما سنحت له فرصة. تخيَّل أن تكون قادرًا، بعد مُدة قصيرة، على مشاركة أصدقائك وعائلتك تجارب كاملة يعيشونها معك (مثل الحفلات، أو السفر، إلخ) لا مشاركاتهم صورًا أو فيديوهات فقط، وأن تكون قادرًا على مشاهدة فيلم أو اللعب سويًا (حرفيًا)، وليس بطريقة الخدمات الحالية التي تسمح لك بفعل ذلك معهم في وقتٍ متزامنٍ في أماكن مختلفة.

رهان «زوكربيرج» هنا قد يبدو بعيدًا الآن، لكنه لن يكون كذلك عند إطلاق «الجيل الخامس» من الشبكات اللاسلكية المُتوقَّع في عام 2020 (لا يعرف أحدٌ في هذه اللحظة ماذا سيكون الجيل الخامس تحديدًا، لكنه سيكون أسرع 50 مرةً على الأقل من الجيل الرابع). قد لا يكون «مستقبل التواصل الاجتماعي هو في خدمات الواقع الافتراضي» فعلًا كما يقول «زوكربيرج»، لكن المؤكَّد هو أنَّ «فيس بوك» مُستعدٌ تمامًا إذا تحقَّق ما يتوقعه مؤسسه؛ فالتقنية موجودة ضمن شركته وتخضع إلى تطوير مستمر، والاستثمار في تطوير البنية التحتية لاستقبال الجيل الجديد من الشبكات يتزَّعمه «فيس بوك» مع مؤسسات عالمية أخرى، وتطوُّر خدمات الفيديو، كما يتوقَّع الخبراء، سيجعل المستخدمين توَّاقين إلى «شيء أكثر».

شاهد «زوكربيرج» يتحدَّث عن الواقع الافتراضي:


فيس بوك يسعى إلى عدم الاعتماد عليك

بالطبع لا يقف «فيس بوك» وحيدًا في عالم التقنية والإنترنت، والطرق أمامه ليست مُمهَّدة تمامًا؛ فشركات مثل «جوجل» و«أمازون»، ومواقع وشركات ناشئة مثل «سناب شات»، وخدمات أخرى عديدة، لديها نسبةٌ لا بأس بها من أوراق اللعبة.

ثقافة «فيس بوك» الحالية التي بناها «زوكربيرج» قد لا تسمح له ببناء تطبيقات تنتمي إلى فئة الأطفال والمراهقين (مستخدمي الإنترنت في المستقبل) الذين يجد الكثير منهم الآن «فيس بوك» مُملًا و«فات زمنه»، لكنه يواجه ذلك بالاستحواذات، مثلما فعل مع MSQRD الذي يسمح للمستخدمين بتبديل وجوه… لمَ لا ندع «مارك» يخبرك بنفسه؟


لكن ما يبدو أنَّه مكمن خطورة خطة «فيس بوك» للسنوات العشر المقبلة، هو أنَّ «موقع التواصل الأوَّل في العالم» – الذي حوَّله المستخدمون الأفراد من شبكةٍ محدودةٍ بناها مُراهق في حُجرته بسكن جامعة «هارفارد» إلى عملاق في مجال التكنولوجيا – يحاول أن يُقلل اعتماده على المُستخدمين وعلى شركات الإنترنت الأخرى شيئًا فشيئًا.

قد تكون هذه الخطة بعيدة المنال، وقد يكون الفشل مصيرها (فهي، بمعنىً ما، تتصادم مع لُب فكرة «فيس بوك» نفسه)، لكنها إن نجحت فُربَّما نشهد تفوُّقًا أكبر بكثيرٍ من المتوقع لـ«فيس بوك» على منافسيه التقليديين والجُدد: شبكة تواصل هي الأكبر في العالم بفارقٍ هائل، ومُحرك بحث، و«ناشر» يجمع مقالات أكبر المؤسسات الصحافية والإعلامية، ومنصة موبايل متكاملة للمحادثات والشراء والإعلانات، وسيادة عالم الصور والفيديو، وريادة مستقبل الواقع الافتراضي وتطبيقاته، وخدمات تحويل الأموال مباشرةً، بالإضافة إلى منفذ بيع مباشر يملك معلومات عميقة وهائلة عن مستخدميه (المستهلكين المُحتملين).

قد لا يُسيطر «فيس بوك» على العالم.. لكن من قال إنَّه يريد ذلك أصلًا؟

منذ عدة أعوامٍ (أو عدَّة أشهر) كان «فيس بوك»، بالأساس، يُوضَع دائمًا في مُقارنةٍ مع «تويتر»، أو «جوجل بلس»، أو غيرهما من شبكات التواصل الاجتماعي التي تسمح للمستخدمين باستكشاف طرقٍ جديدةٍ في التعبير (مثل «سناب شات» برسائله المُصوَّرة التي تُحذف بعد 10 ثوانٍ من مشاهدتها)، لكن «فيس بوك» الآن لا يُنافس مواقع وتطبيقات مثل هذه، بل يسعى إلى أن يكون كلُّ شيء على الإنترنت جزءًا منه، أو، على الأقل، أن يُمكن للمستخدمين فعل كل شيءٍ على الإنترنت تقريبًا عن طريق «فيس بوك».

هل تريد أن تختبر هذه الفرضية؟ راقب نفسك ولنَرَ كم تطبيقًا لا ينتمي إلى «فيس بوك» تضطر إلى فتحه واستخدامه عدة مرات في اليوم؟ احفظ هذا الرقم جيدًا وأجرِ الاختبار نفسه مرَّة أخرى بعد عامٍ أو اثنين؛ فرُبَّما يُذهلك ما تكتشفه لتعود، مرةً أخرى، لتشتكي إلى أصدقائك بشأنه.. على «فيس بوك».

الخيار الذي أعطاه «مورفيوس» لـ«ليو» في فيلم «المصفوفة» (The Matrix) مُرعبٌ حقًا، لكن الخيار الذي قد نواجهه في المستقبل القريب ربَّما يكون أكثر رُعبًا: الحبَّتان – الحمراء والزرقاء – تؤديان إلى الواقع نفسه (والحلم نفسه) برعاية «فيس بوك».




ليست هناك تعليقات: