الثلاثاء، 29 مارس 2016

لماذا فشلت الهند في إنتاج شركات عملاقة للتكنولوجيا مثل أبل، جوجل، فيسبوك وتويتر؟

 لماذا فشلت الهند في إنتاج شركات عملاقة للتكنولوجيا مثل أبل، جوجل، فيسبوك وتويتر؟
 حسن عادل -ساسة بوست
يخرج من التعليم الهندي الآلاف من المهندسين والمبرمجين الهنود الذين يعملون في شركات التقنية العملاقة في وادي السيليكون في أمريكا، فكيف لم نشاهد للآن شركة تقنية هندية على مستوى أبل وجوجل وفيس بوك وتويتر، مع هذا الجيش من العقول الذكية الذين يتخرجون من الجامعات الهندية كل عام؟ لقد كان طرح هذا السؤال على موقع كورا فرصة لكي يرد أفضل المهندسين الهنود عليه، وفي تقريرنا عرض لتلك الإجابات.

1- طبيعة المجتمع الهندي



يبدأ “جويديب صن” أحد مستخدمي موقع كورا كلامه بأنه يرى أن السبب في ذلك يرجع لأمور لها علاقة بالبيئة والمجتمع في الهند.

نظام التعيم في الهند: فعلى سبيل المثال في سن المراهقة إذا كان هناك شاب أو فتاة يحبون قضاء وقتهم في البرمجة ولا يجدون المتعة في أي شيء آخر مثل (العلوم أو الآدب أو الفن) إذا كان هؤلاء الشباب في الولايات المتحدة مثلا فسينتظرهم مستقبل باهر (بافتراض أن لديهم موهبة) لكن هذا لا يحدث في الهند لأن النظام التعليمي هناك سيعطيهم درجات منخفضة ولن يقتصر الأمر على ذلك بل سيصل لحدود العائلة والأصدقاء والمعلمين الذين سيدمرون هؤلاء الشباب نفسيًا، ولن أكون متفاجئًا إذا انتهى بهم الأمر محطمين.
السوق التكنولوجية الهندية ليس لها ريادة: وهذا يجعل من الصعب جدًا على أصحاب المشاريع المحلية الشابة أن ينطلقوا في أحد المجالات التكنولوجية بجانب عمالقة التكنولوجيا الموجودين منذ زمن في الأسواق.
سوق المشاريع الرأسمالية في الهند يقف خلف نظيرتها الأمريكية، خاصةً مع أمور التمويل المليئة بالمخاطر، طرق التفكير المختلفة في التعامل مع المشاريع الرأسمالية، الاختلافات الواضحة في التمويل، التركيز المبكر مع التكلفة\الايرادات.
2- الفقراء لا يحتاجون لكتابة بوست على فيس بوك


قسم “جوتام” إجابته إلى جزئين أيضًا، في الأول ذكر: أنهم في الهند ليسوا بحاجة إلى أبل أو جوجل أو فيسبوك أو تويتر.

وفي الثاني أكد أن حديثه ليس متعلقًا بعلوم الكمبيوتر أو البرمجة ولكنه يشمل كل ما له علاقة بالتكنولوجيا.

فيرى أن معظم الأجوبة السابقة على هذا السؤال كانت تُرجع السبب إلى نظام التعليم في الهند أو إلى نظام المجتمع الهندي، لكنه يرى أن السبب الوحيد الذي يمنع الشخص من البناء والتقدم في مجال ليس إلا الحاجة.

فبالنظر إلى المشاكل التي تواجهها الهند في الوقت الراهن والتي واجهتها في العقد الأخير مثل الفقر ومشاكل في الطاقة والتعليم فهم ليسوا بحاجة إلى شبكة تمكنهم من ولوج الإنترنت للبحث عن شيء ما أو إلى موقع يساعدهم في التواصل مع صديق بعيد ولكنهم بحاجة إلى إيجاد موارد وابتكار تكنولوجا جديدة خاصة بالطاقة، إيجاد سبل لجعل الناس أكثر قراءة وكتابة، إيجاد طريقة لسد جوع الفقراء.

والآن قد اخترقت لعنة الإنترنت الهند بشكل مفزع فقد أصبحت نسبة استخدام الإنترنت الآن في الهند (14.2%) بعد أن كانت العام الماضي (10.9%)، وبهذا المعدل ومع عدد السكان الكبير أصبحت الهند محتله للمركز الثالث من حيث نسبة استهلاك الإنترنت، هذا إلى جانب احتواء الهند على سوق كبيرة لبيع منتجات الإنترنت. ومع ذلك وبالنظر إلى الوقت الذي كان يجري فيه بناء فيس بوك وتويتر في الولايات المتحدة الأمريكية كان عدد كبير من سكان الهند يعانون من قطع الكهرباء بسبب نقص الطاقة.

ولذلك أرى أنه من الغباء في الأساس التكلم في هذا الموضوع. فلو أنك سألت سائق تاكسي أو حتى عاملًا بمتجر فاكهة هندي ستجد أن حياته أصعب بكثير بما لا يدع مجالًا للمقارنة بينهم وبين ذلك الشخص الذي يجلس في هارفارد (جامعة أمريكية) ويقوم هو أيضًا بالكتابة على فيس بوك دون أي إضافة تكنولوجية.. تسأل شخصًا من هؤلاء لماذا؟ سيجيبك لأنه لم يتلق أي تعليم أو لأن والده لم يكن معه المال الكافي لإطعام عائلته بالأساس.

وبالنظر إلى هذا المخطط البياني من ويكييبديا:



هذا المخطط يشير إلى نسبة السكان الذين يعيشون على أقل من 2 دولار في اليوم اعتبارا من عام 2009، ففي الهند تشير النسب إلى أن 61-80 % من السكان ضمن تلك الفئة.

في بلد حيث الناس جوعى وفقراء هل تتوقع منهم التفكير في فكرة لكتابتها على موقع على شبكة الإنترنت التي ستتيح لهم التغريد والكتابه عن حياتهم اليومية؟

ومع ذلك وبالنظر إلى سيناريوهات التغيير فأنا واثق تمامًا بأنه قريبًا ستكون الهند قادرة على إنتاج منتجات تكنولوجية كبرى، والتي ستلاقي رواجًا في الأسواق الدولية وكذلك في السوق الهندية.

3- ليس هناك الكثير بين الهند وبوسطن



كان لـ”بالاجي” رأي مختلف بعض الشيء في إجابته عن هذا السؤال، فقد رأى بالاجي أن أبل وفيس بوك وتوتير وانستجرام وغيرها تأتي من مكان واحد لا يتعدى قطره 100 ميل، لذلك وبنفس المنطق يمكننا أن نطرح سؤالًا أيضا عن السبب الذي يجعل نيويورك أو بوسطن أو لوس أنجلوس غير قادرين على إنتاج شركات تكنولوجيا ضخمة تضاهي مثل هذه الشركات. لذلك لا يمكننا القول بأن الهند هي الوحيدة التي تتخلف عن وادي السليكون. وتلك بعض النقاط التي توضح الفارق بين ما يحدث في الهند وما يحدث في وادي السيليكون.

قبول الأفكار الجديدة: يعتبر وادي السيليكون هو الأفضل في العالم عندما يتعلق الأمر بتقبل الأفكار الجديدة، فقد اتخذ العديد من المستثمرين هناك مهمة تغيير العالم باعتبارها تحدٍ شخصي بالنسبة لهم، مثل إيلون ماسك أو بيتر تيل أو سيرجي برين (ساهم في تأسيس جوجل). هؤلاء عكس المليارديرات القدامى يسعون حقًا لتحدي الأوضاع الراهنة. لذلك سيكون من الصعب الحصول على مثل هذه الثقافة في مكان آخر. فعلى الرغم من أن بوسطن لديها مجموعة من أفضل الجامعات ولديها بنية تحتية ممتازة غير أن بيئتها لن تستطيع الاستيعاب عندما يتعلق الأمر بمثل هذه الشركات المتمردة. كذلك الحال في الهند بل، هي أكثر تحفظًا بدرجة كبيرة من بوسطن، فهناك دائمًا اشتباه في الأشياء الجديدة خاصة عندما تكون هذه الأشياء لا يمكن التنبؤ بنتائجها، وتكون محفوفة بالمخاطر.
السوق المحلية الكبيرة: فجميع الشركات الناشئة في وادي السليكون لاقت نجاحًا عظيمًا في الأسواق الأمريكية قبل أن تتوجه للخارج. ففيس بوك بعد سنة من تأسسيه كان بإمكانه إنفاق الملايين على الترويج الإعلاني. بعكس الهند الذي يعتبر سوقها صغير للغاية أمام الشركات التكنولوجية (على الرغم من النمو السريع) لذلك أعتقد أننا قادرين على إصلاح هذا الجزء من المعادلة خلال الـ10 سنوات القادمة.
العقول الذكية تتغذى على العقول الذكية: ففي الهند أذكى المهندسين والعاملين بالتكنولوجيا ليس لديهم روح المبادرة للاستقلال وتكوين شركات خاصة، وحتى في الأسر ميسورة الحال التي يمكن لأبنائها الشروع في مشاريع معتمدين على ذويهم، نجد أنهم كجيل جديد من ذوي العقول الجيدة منجذب للعمل في الشركات الكبرى. وهذا لا يختلف كثيرًا عن تفكير شباب بوسطن الذكي أيضًا والذي سيعمل في أول شركة تكنولوجيا كبرى تقبل به.
4- هرم ماسلو وتفسيره للوضع الهندي



يؤكد “جوبتا” مثل سابقيه أن كل شيء يبدأ مع التسلسل الهرمي لهرم ماسلو للحاجات الإنسانية. حيث أن الرغبة في تغيير العالم والتي تأتي في قمة المثلث لا يستطيع الإنسان تحقيقها إلا إذا تمكن من استيفاء جميع احتياجاته الأقل في هذا المثلث.

وبالنظر إلى رجال الأعمال في الهند وإذا نظرت إلى خلفياتهم الاقتصادية والاجتماعية التي ينحدرون منها فستجد أن معظمهم من الأشخاص التقليديين الذين كرسوا حياتهم للحصول على العلم وخلق حياة أفضل لأنفسهم وعائلاتهم. وعلى نقيض ذلك نجد رجال الأعمال في الولايات المتحدة، هؤلاء الذين بدأوا حياتهم العملية أثناء دراستهم الجامعية، وهذه تعتبر بداية ضخمة سواء من حيث كمية الوقت لديهم لتطوير مهارتهم، أو مستوى المخاطر التي يمكن أن يواجهوها في تلك المرحلة المميزة من العمر.

ومع ذلك فهناك عدد قليل في الهند ينحدر من خلفيات مميزة (ومنهم من يعمل بجد للوصول لمثل ذلك) ولكن ندرتهم وعددهم القليل يملي عليهم تكريس حياتهم للحفاظ على ثروات الهند والحفاظ على الوضع الراهن.






الخميس، 24 مارس 2016

حضارة سبأ عمرها أكثر من واحد وعشرين ألف سنة!!

حضارة سبأ عمرها أكثر من واحد وعشرين ألف سنة!!
فكري الهري


أكدت الكشوفات الأثرية التي أجرتها البعثات الأمريكية والكندية في اليمن للفترة (1990- 2000)، حقيقة كانت ولازالت في موضع الشك لدى الكثيرين من المؤرخين والباحثين، والتي تتعلق بعمر الحضارة السبئية (حضارة سبأ).
بينما لازال معظم المؤرخين صغارهم وكبارهم – خاصة العرب- يتبنون فكرة أن أقدم تاريخ لوجود هذه الحضارة لا يتعدى (1000 – 1500) قبل الميلاد، وهو الرأي السائد في كل المصادر التاريخية التي كتبت حتى ستينيات القرن العشرين، والتي يصرون استناداً إليها، على أن هذا هو كل ما تؤكده البحوث الأثرية..؟؟!- فهل هذا بالفعل هو ما تقوله اليوم حقائق علم الآثار؟!
الجواب على هذا السؤال، يأتينا من المصدر الرئيسي الأول، وبالتحديد من قلب المؤسسة العلمية الأولى في العالم لعلم الآثار: المؤسسة الأمريكية للتاريخ، وليس من مراجع مشبوهة أو ملفقة، وليس أيضاً من الصفحات الالكترونية التي يكتبها الهواة والمتعصبين.
تعالوا لنقرأ الإجابة التي لم تستغرق أكثر من ثلاثة أسطر فقط مما كتبه العالمان (كريستوفر ايدينز - ت. ج. ويلكنسون) في تقرير البعثتين الأمريكية والكندية، قبل ما يقارب عقد ونصف من اليوم، يقول العالمان في التقرير:
[وقد أمكن تتبع مؤشرات الحضارة السبئية الكتابية الى الفترة الممتدة بين (3600 – 21800) قبل الزمن الحاضر، بل وحتى الى تاريخ أبعد من ذلك، الأمر الذي جعل بالإمكان تقديم سجل أثري متواصل تقريباً لعدة مناطق في اليمن]- أنظر صورة الصفحة التي ورد فيها هذا النص أدناه.
هذا الكلام جاء في الصفحة رقم (1) من التقرير - الذي يشرح في الصفحات التالية تفاصيل هذا الاكتشاف- وهو كلام علمي واضح ولا يحتاج الى تأويل أو الى إثارة جدل عقيم، ومفاده – لمن لم يفهم بعد- أن: تاريخ حضارة سبأ – كتاريخ مكتوب- يعود الى أكثر من (21800) سنة قبل الزمن الحاضر، أي الى ما قبل (19800) سنة قبل الميلاد، وليس هذا فقط، بل وصار لدى علماء الآثار سجل أثري متواصل من الوثائق: (قطع أثرية/ نقوش / كتابات) لهذه الفترة العميقة والمهولة من تاريخ حضارة سبأ.
وينبغي التنويه هنا الى أن العالمين يتحدثان عن حضارة وليس عن مستوطنات بشرية بدائية، وعن حضارة كتابية وليس عن مجتمع لما قبل الكتابة، ويتحدثان عن حضارة سبأ وليس عن الأنانوكيين مثلاً..!!
[كان الباحث اليمني محمد حسين الفرح متواضعاً جداً عندما قال بأن بداية نشوء الحضارة في اليمن يعود الى (9000) سنة قبل الميلاد، وأن حضارة سبأ تعود الى (4000) سنة قبل الميلاد، وهو ما أنكره عليه الكثيرين من المؤرخين العرب واتهموه بالتعصب لليمن، وبأنه لا يستند الى دليل أثري أو علمي].
ختاماً، ولأن هذه النتائج صارت تُدَّرَس ويتلقاها الطلبة والباحثين في الجامعات الأمريكية والكندية - والأوروبية طبعاً - منذ أكثر من عشر سنوات من اليوم، فإني أعتقد بأنه آن الآوان للكثيرين منا – نحن العرب - للقيام بعملية تحديث لمعلوماتهم، أو بالأصح لاعتقاداتهم وقناعاتهم التي يهرفون بها كمسلمات وحقائق مطلقة في كل مناسبة وفي غير مناسبة..
[المصدر]: [تقرير المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية، سلسلة الدراسات المترجمة – العدد (4). والذي نشر على شكل كتاب بعنوان: [دراسات في الآثار اليمنية (من نتائج بعثات أمريكية وكندية) – إصدار المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية، عام 2001].
[المرفقات]: [صورة غلاف التقرير + صورة الصفحة رقم (1) المقتبس منها النص والمؤشر حوله بإطار أحمر].


الأربعاء، 16 مارس 2016

هاشم الغيلي: نجم العلوم اليمني على فيسبوك

هاشم الغيلي: نجم العلوم اليمني على فيسبوك
بنجامين بلاكيت / 06-03-2016
احتاج شاب في الثامنة عشر من عمره إلى ثقة كبيرة بالنفس لمقاومة طلب والديه في البقاء في المنزل والعمل في الحقول التي تمتلكها العائلة. إذ وضع هاشم الغيلي، طريقاً جديداً لنفسه وذهب إلى الخارج للحصول على شهادة جامعية وليبدأ بذلك رحلته التي جعلت منه ناقلاً للعلوم ويحصد متابعة ما يزيد عن المليون مشاهدة على صفحته على الفيسبوك.
قال الغيلي “كل طفل في اليمن يولد ليكون مزارعاً. لذلك كان من الصعب إقناع والدي بأن طموحي يكمن في العلم.”
يقع منزل الأسرة وأراضيها، المؤلفة من حقول مدرجة على سفوح الجبال، على بعد رحلة تستغرق ست ساعات بالسيارة شمال العاصمة صنعاء. ذهب الغيلي إلى صنعاء سراً ليقوم بملء إستمارة التقدم بطلب للحصول على منحة دراسية من وزارة التربية والتعليم.
قال، مستعيداً رحلته الأولى إلى صنعاء، “لو كنت قد أبلغت والدي عن ذلك، ما كان ليوافق. لذلك قمت بالذهاب فحسب.”
أثبتت المحاولة أنها تستحق المخاطرة.
وافقت الحكومة على دفع أقساط دراسته للحصول على شهادة البكالوريوس، التي أخذها من جامعة بيشاور في باكستان، في مجال التكنولوجيا الحيوية – وهي الخطوة التي لم يدعمها والداه بشكل كامل.
بعد تخرجه، عاد الغيلي إلى اليمن، حيث عمل لفترة وجيزة في منظمة حكومية لمراقبة الجودة، ليعمل على إختبار المنتجات في إحدى المختبرات.
وبعد بضعة أشهر سافر مرة أخرى. هذه المرة، بهدف الدراسة للحصول على شهادة الماجستير في جامعة جاكوبس في ألمانيا بعد أن حصل على منحة من هيئة التبادل الأكاديمي الألمانية DAAD.
في النهاية، أدرك والداه بأنه لن يكون مزارعاً. قال خالد عبدالله، صديق وزميل الغيلي في جامعة جاكوبس، “في الثقافة اليمنية، من الصعب حقاً أن تتصرف بالضد من رغبة والدك. لكن والده قد أصبح شخصا ً آخر اليوم، فشقيق هاشم يدرس الآن أيضاً للحصول على شهادة البكالوريوس، وهو دليل على أنهم يرون في قصة هاشم نجاحاً.”
الآن، يشجع والدا الغيلي طموحاته. ويأمل هو في أن تشجع قصته الشباب العرب غيره ممن يكافحون من أجل تحقيق التوازن بين ما تريد أسرهم منهم أن يقوموا به فيما يتعلق بأهدافهم الخاصة بهم.
قال الغيلي “في اليمن والشرق الأوسط، إذا ما كان أولياء الأمور يريدون منك الذهاب إلى الجامعة، فإنهم عادة ما يريدون منك دراسة الطب أو الهندسة. لكن إذا ما كانت لديك إمكانيات في مجال آخر، فلا تتردد في خوضها. كن جريئاً، وغامر ولا تنظر إلى الوراء.”
إن الثقة بالنفس التي يتمتع بها الغيلي هي الصفة التي ساعدته في التألق كناقل للعلوم.
بعد تخرجه من جامعة جاكوبس، في سن الـ25، أصبح نائب رئيس تحرير النسخة العربية من مجلة مرصد المستقبل، المجلة التي تغطي الإبتكارات في مجالي العلوم والتكنولوجيا.
كما يدير أيضاً صفحته الخاصة على موقع الفيسبوك، والتي تنشر باللغة الإنجليزية. يتابع الصفحة أكثر من 2.8 مليون شخص ولا زالت تنمو. تسعى الصفحة لشرح العلوم للقراء العاديين وحملهم على الإهتمام بالعلم والتحدث عنه. يمتاز جمهور صفحته بكونه أكثر دولية من صفحة الباحثون السوريون، الصفحة المماثلة باللغة العربية، على الرغم من إمتلاك الغيلي لمتابعة عربية كبيرة.
قال الغيلي “غالبية المتابعين من الولايات المتحدة الأميركية، لكن مع ذلك، فإنني أمتلك الكثير من المتابعين من مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات، والعراق أيضاً.”
يقوم الغيلي بتصميم ونشر الرسوم البيانية، ومقاطع الفيديو، ومحتويات أخرى حول مواضيع تتراوح من الضمادات المكافحة للعدوى وحتى علم النفس. قال “في أسوأ الأيام، تنال الصفحة 10.000 إعجاب. لكن في الأيام الجيدة تحصد الصفحة بحدود الـ100.000 إعجاب.”
قال رولاند بنز، أستاذ التكنولوجيا الحيوية بجامعة جاكوبس و المشرف على الغيلي، إنه “كان من الواضح، ومنذ بداية العمل مع الغيلي، بأنه محاور محترف. لقد كان قادراً على تلخيص وعرض البيانات المعقدة بطريقة ممتازة. وعندما نتناقش في مسائل العلوم نكون على قدم المساواة، بحيث أنك لا تشعر بأنه حوار بين طالب ومعلمه.”
عندما تخرج الغيلي بحصوله على شهادة الماجستير، أراد بنز إبقاءه في المختبر. لكن الغيلي ليس ذلك الشخص الذي يتبع رغبات الآخرين.
قال بنز “كان عليه أن يختار بين القيام بممارسة العلوم ووصفها، وهو ما يقوم به الآن بشكل جيد حقاً.”
يبدي بنز فخره بما يحققه الغيلي كناقل للعلوم. قال “إنها وظيفة مهمة، فالجمهور يحتاج لفهم العلوم، وأشخاص مثله يقومون بمساعدتهم. فمن أجل القيام بذلك، تحتاج لأن تكون واثقاً مما تقوله. وهو كذلك بالتأكيد.”
لكن هذا لا يعني بأن الجميع يتابعون صفحة الغيلي على الفيسبوك هم من محبيها – فهو يقضي الكثير من الوقت في حذف المتصيدين عبر الإنترنت. قال الغيلي “لقد بدأت بتلطيف التعليقات الفظيعة وغير المحترمة. وسأستمر بحظر الأشخاص، وهذا يستغرق الكثير من الوقت، لكن الأمر يستحق ذلك في النهاية.”

يريد الغيلي لصفحته أن تكون قوة من أجل الخير. فمن الأسباب التي دفعته للبدء بالنشر عن العلوم والتكنولوجيا هي رؤيته المستمرة للأخبار السيئة فقط من المنطقة على صفحته على الفيسبوك. قال “هنالك الكثير من السلبية. لذا اعتقدت إنها ستكون فكرة جيدة للناس عندما يسجلون دخولهم إلى الموقع ليروا شيئاً إيجابياً ولو لمرة واحدة في اليوم على الأقل.”

الأربعاء، 2 مارس 2016

الحوسبة السحابية.. ثورة تقنية وخطورة أمنية


م. نادية إحسان* - صحيفة الثورة

في عالم التقنية لا وجود لشيء ثابت، حيث أن كل شيء يتغير وبحركة مستمرة، وقد طفت على السطح في الآونة الأخيرة عدة مصطلحات عملاقة غيرت كل ما نعرفه عن التقنية، وكما هو معهود عنها في نحت المصطلحات فقد ظهر مصطلح السحابة أو الغيمة الإلكترونية، ويبدو أنه مصطلح مناسب لما تمطره علينا من معلومات!.
إن السحابة الإلكترونية هي شيء موجود عن بٌعد يوفر خدمات عبر أي شبكة من الشبكات وهو مفهوم جديد لمشاركة المصادر الإلكترونية بهدف انتاج المعلومات وتبادلها حيث توفر الأدوات اللازمة لمعالجة البيانات وحفظها على الشبكة ثم العودة إليها، أي بمعنى أنه شبيه بقمر اصطناعي في السماء يحتوي كل البرامج التي يحتاجها المستخدم مثل: (Hotmail, Gmail , Drop Box ,Google Drive, VMware , ) ويقوم باستخدامها بدون الحاجة لتثبيتها على الجهاز.
بداية الحوسبة

كانت البداية قبل نحو العام والنصف عام كفكرة جاءت من مهندس البرامج في شركة جوجل (كريستوف بيسيغليا) التي قدمها لمديره التنفيذي (إيريك شميت) مفادها أن يستخدم نسبة 20% من وقت العمل بتدريس الطلاب في جامعه واشنطن لفكرة البرمجة على السحب واقترح تسميتها (غوغل 101) فأعجب بها (شميت) وشهدت مع الوقت تقدماً أثبت نجاحاً كبيراً حيث تم الاتفاق مع شركة (IBM) لتوصيل عدد من الجامعات حول العالم بسحب إلكترونية من صنع جوجل وجاءت هذه الفكرة كمقدمة لإلغاء الفكرة الشائعة أن الكمبيوتر الشخصي هو أداة إنجاز الأعمال وأنه يجب توافره دوماً مع مستخدمه، إلا أن السحابة غيرت هذه الفكرة إلى أنه مجرد آلة للوصول إلى المعلومات والتواصل مع الأخرين ومن هنا ظهرت السحابة كحل علمي أمثل خصوصاً بعد توفر البيئة التحتية لشبكة الانترنت في مختلف بقاع العالم وأصبح الاتصال لا يشكل عائقاً أمام ملامسه السحاب لاسيما أنها تعتمد بشكل كبير على المستخدم الذي يقوم بتوفير المعطيات التي تحتاج إلى معالجة ومن ثم التخزين وتبقى هذه المعلومات معلقة في السحابة إلى حين قيام المستخدم بالتعديل عليها مرة أخرى أو حذفها بالكامل.
جاء هذا المصطلح لمساعدة مستخدمي الانترنت في التحرر من طغيان الكمبيوتر وتحكمه في الوصول إلى المعلومات حيث تصبح مخزنة في السحب مهما اختلفت طريقة الوصول إليها من خلال أشكالها المتعددة التي تختلف من حيث اتجاهاتها ونشاطها ولكنها تتفق جميعها بحداثتها وحرصها على التفاعل المستمر بين المستخدم والموقع من جهة، وبين المستخدم والمستخدمين من جهة أخرى، وتكمن أهمية السحابة الإلكترونية بأنها تعتبر مورد نفط جديد في عالم الاقتصاد حيث تشير بعض البحوث إلى أن البيانات الشخصية لها قيمة تجارية ضخمة وتعد القدرة على نقلها على المستوى الدولي من المكونات الحيوية للعولمة الاقتصادية شأنها شأن التدفق الدولي لرأس المال والتجارة الدولية بالإضافة إلى المدى الذي يوثر فيه على حياة المواطنين والبلاد بشكل عام حيث تحَدث عن هذه الأهمية (ستيف بالمر) رئيس مايكروسوفت العالمية خلال افتتاحه لأكبر تجمع تقني في المملكة العربية السعودية قائلاً أن الحوسبة السحابية توفر خيارات هائلة في مجال توظيف التقنية لزيادة إنتاجية وتنافسية المنشآت مؤكداً التركيز عليها لما لها من قدره على توفير أدوات جديدة غدت عاملاً نوعياً في إحداث تغيير في استخدام الأفراد والمؤسسات للتقنية في المستقبل، وبين هذه الموجات المتتالية والمتسارعة من الابتكارات الإلكترونية أظهرت الدراسات بأنه يقدر عدد الكمبيوترات الشخصية المستخدمة حالياً في العالم يزيد على مليار جهاز مقارنة مع أقل من 500 مليون جهاز قبل عشر سنوات ومع تزايد استخدامات السحب الإلكترونية في التخزين السحابي والموسيقى السحابية وأنظمة التشغيل يتضح أن هذه الابتكارات ما هي إلا القمة الظاهرة من جبل الثلج المعمور، خصوصاً بما يميز هذه السحب من حيث السهولة والمرونة في مشاركة المصادر والسرعة في التعاطي مع التقنيات الحديثة وإمكانية الربط بين عدة مواقع بالإضافة إلى أنها أزاحت الكثير من الهموم التي كانت على عاتق الإدارة.
مخاطر الحوسبة
وبالرغم مما تمطره علينا السحابة الإلكترونية من أهميتها وفوائدها إلا أنها تواجه كثير من التهديدات والأخطار التي من الممكن أن تؤثر وبشكل خطير على أعمال الشركات إذا لم تحرص بشكل جيد على وضع الحلول الصحيحة لتفاديها وبحسب ما قامت به منظمة (Cloud Security Alliance ) في عام 2013م بنشر ورقه عمل تتحدث عن أشهر التهديدات التي تواجهها أو كما أسمتها (التسعة السيئة السمعة) حيث تلخصت بسرقة وضياع البيانات التي قد تؤدي إلى التعثر المالي للشركات الحساسة، سرقة بيانات مرور الخدمة أو الحساب الذي يوثر على سمعة المستخدم، واجهات التطبيقات غير آمنة، هجمات حجب الخدمة وفكرتها القيام بالضغط على جهاز الخادم المستهدف بسيل من الأوامر مما يستنفذ نسبة كبيرة من موارده مما يؤدي إلى بطء في الخدمة أو توقفها عن العمل، أخطار الموظفين، إساءة استخدام خدمات الحوسبة السحابية، قلة الاهتمام والعناية، نقاط ضعف التقنيات المشتركة حيث أن وجود خطأ في الإعدادات في أحد الحسابات قد يؤدي إلى تعريض الشبكة كامله إلى الخطر.
وفي ظل ما شهدته الأعوام السابقة من تغيير مستمر إلا أن الأمر لا يسلم من الشرور حيث ظهرت المشاكل والعيوب فيها وتكمن المشكلة الرئيسية خصوصاً في الدول النامية بأنها تتطلب توفر الاتصال الدائم بشبكة الإنترنت أما بالنسبة لشركات الحوسبة فمشاكلها غالباً تتعلق بحقوق الملكية الفكرية بالإضافة إلى بعض الخروقات مثل عدم إمكانية الوصول إلى المعلومات عند وجود عطل في الموقع أو الشبكة وكذا ضعف بنود الاتفاقية بين الموقع.
ولكن وفي سبيل الاتجاه نحو السٌحب والتي بات ينذر بوجود تغيير جذري في عالم التقنية حيث أكد ذلك (ستيفان ريد ) من مؤسسة (فورستر للأبحاث) بأنه من المتوقع أن ينمو سوق الحوسبة من 40.7 بليون دولار في عام 2011م إلى 240 بليون دولار عام 2020م، مثل هذا النمو السريع في السوق يجعلنا نترقب الإضافات والمعالجات والابتكارات الجديدة التي ستضاف إلى هذا العالم التقني المتميز.

*م نظم معلومات


الجمعة، 5 فبراير 2016

القراءة من دون شاشة ليست قراءة!

حبيب سروري - العربي الجديد


“القراءة من دون شاشة ليست قراءة!”؛ قالت بهدوء طالبتي الذكيّة التي تقرأ كثيراً كما ألاحظ وهي تشتغل معي على أطروحة الدكتوراه منذ 3 سنوات، لكنها لا تطيق قراءة كتابٍ ورقيٍّ أو نصٍّ مطبوعٍ على ورق.

لا أبالغ: صار كثيرٌ من أبناء هذا الجيل، الذي التصقت عيونه بالشاشات منذ أكثر من عقدين، يعزف عن قراءة الورق، كما لو كانت عادة سحيقة مارسها الأجداد الصالحون في زمن هوموإيبيليس!
قراءة النص الورقي يُتعِبُهم، لم يعد يتكيّف مع أعينهم وأدمغتهم، ويصيبهم بالدوخة أو وجع الرأس!
بعد معاينات لأدمغة أطفال الإنترنت أثناء قراءتهم للنصّ الورقي أو للنصّ الرقمي على الشاشة (القراءة الأولى خطيّة، والثانية شذراتيّة)، وبعد دراسات حديثة للتغيّرات التي حدثت في أدمغتهم جراء استخدامهم لألعاب الفيديو ذي الأبعاد الثلاثة ولوحات المفاتيح، يجوز التساؤل إن لم نكن أمام بدايات تغييرات فيزيولوجية، قد تقود بفضل قانون الانتقاء الطبيعي من جيل إلى جيل، إلى نوعٍ بشريٍّ جديد: هومو إليكترونوس!
فعندما ترى بعض أطفال اليوم وهم يبعثون سرّاً نُصيصاً هاتفياً (إس إم إس) من هاتفٍ محشورٍ في الجيب، دون مشاهدة لوحة مفاتيحه، فيما يتحدثّون معك في الوقت نفسه، ستستوعب أن ثمّة أشياء في بنية أدمغتهم تتغيّر، نحو الأفضل أحياناً، ونحو الأسوأ أحياناً أخرى.
فمن ناحية، قادت هذه التغيّرات إلى مَلكة “ذكاء الأصابع” حسب تعبير فريق أبحاث إيف كوبانس، المكتشف الشهير لِجسد جدّتنا لوسي في أثيوبيا، وإلى ما أشاد به من مواهب جديدة اكتسبها أطفال الإنترنت في العلاقة بين العين واليد، وفي التفاعل مع الفضاء المحيط.
ومن ناحية أخرى، فقدوا شيئاً من المقدرة على التركيز والتذكّر بسبب إدمانهم الكمبيوتر والإنترنت، أعطت لهذه العبارة: “أحنّ إلى دماغي الذي سبق الإنترنت!” قيمتَها ومحلَّها من الإعراب في عالم اليوم.
لهذا الجيل الجديد: القارئُ الإلكتروني كتاب اليوم بامتياز.
إذا ما هاجمْتَهم بمدح الكتاب الورقي والتغنّي برائحة الأوراق، فسيقولون لك إن رائحة الكافور تثير تقزّزهم، وإنك تمارس أشواق الموميات، لأن الإنسان القديم كان يحنّ أيضاً لرائحة أوراق البردى والألواح الحجرية قبل صناعة الكتاب الورقي أيضاً، لكنها سنّة الحياة.
القارئ الإلكتروني، مثل كندل الذي تبيعه شركة أمازون (أقلّ من ربع سعر الآيفون)، غيّر حياة من له تجربةٌ معه، مثلي، لصالح القراءة الإلكترونية.
لأقولها من البدء: لا يعني ازدهارُ هذه الطريقة الجديدة في القراءة موتَ الكتاب الورقي، كما كان يخاف الجميع. لكنها تجربةٌ جديدة، مثلها مثل الآيفون الذي لم يقض على الهاتف الثابت، ولم يقض على الاتصالات. بل العكس: لعب دوراً في مضاعفة تواصل الناس ببعضهم البعض، وفي تجديد حياة الهاتف الثابت.
كذلك، رغم اكتساحِ القراءة الإلكترونية للقراءة الورقية (حوالي 30٪ من مبيعات الكتب في أمريكا إلكترونية)، وأخذِ الأولى عموماً نصيب الأسد من حياة الإنسان، لم يختف الكتاب الورقي، بل ازداد استخدامه في مجالات معيّنة مع ازدياد القراءة الإلكترونية في هذه المجالات نفسها!
لكنه اختفى تقريباً في مجالات أخرى كالموسوعات، القواميس، معظم الكتب العلميّة، وثائق المؤتمرات العلمية.
كلّ ذلك ضمن إتجاهٍ عامٍ لحضارة اليوم هدفُهُ إلغاءُ الورق في المعاملات، عبر الرقمنة وإجراءتٍ عولميّةٍ لتوحيد صيغ وبروتوكولات تبادلها الرقمي، اسمه: Dematerialisation، أو: “الاسترقام”، حسب مقترح ترجمةٍ أنيقةٍ للمصطلح على وزن “الاستسقاء”، اقترحهُ الأستاذ فاروق مردم بيه.
مثل غيري، كنتُ من المتعصّبين للقراءة الورقية، ولي مثلهم معها طقوس وشجون وعلاقة غرامية حميمة يصعب خيانتها. لكن “الحياة تجري بما لا اشتهي”، وها أنذا أعيش بعلاقتين متناغمتين متكاملتين: القراءة الورقية والقراءة الإلكترونية على الكندل.
للثانية خصائص مُغرية يستحيل عدم الوقوع في أحضان سحرِها. فشاشة القارئ الإلكتروني تستخدم تقنية “المداد الإلكتروني” المدهشة. ذلك يعني: تشبه ورقة الكتاب من حيث كونها لا تبعث الضوء كشاشة الكمبيوتر والآيفون والآيباد، ولكنها تعكسه، مثل ورق الكتاب.
ويمكن لذلك أن يصاحبنا القارئ الإلكتروني إلى الساحل تحت الشمس حيث يصعب قراءة كمبيوتر. ناهيك عن كونه خفيف الوزن مثل كتاب الجيب لا غير…
ثمّ بطاريته، بسبب شاشته التي تكتفي بعكس الضوء وليس بصنعه وبعثه، اقتصاديةٌ جدّاً، يمكنها أن تظلّ مشحونةً لأسابيع قبل إعادة تعبئتها.
شاشة القارئ الإلكتروني الوردية، بتقنية مدادها الإلكتروني، مريحةٌ جدّاً للعين، جذّابةٌ جدّاً، قابلةٌ لتغيير مستوى إضاءتها العاكسة، ناهيك عن أن حجم بنط الحرف فيها يمكنه أن يكبر أو يصغر ليتكيّف مع كل عين، وهذا ما يستحيل عمله مع الكتاب الورقي بالطبع!
ومن الخصائص شديدة الإغراء فيه هو أنك لا تحتاج معه إلى قاموس أو موسوعة للبحث عن معنى مفردة، أو تعريف مصطلح. يكفي أن تمس الكلمة بطرف أصبعك لتنفتح لك نوافذ جانبية تقدِّم لك معناها في القاموس، وما تقول عنها الموسوعة.
غير أن ذروة السحر هو أنك ترتبط بفضل القارئ الإلكتروني بملايين الكتب، ويمكنك أن تشحن فيه ما تريد من حيث كنت، ومجاناً إن كان الكتاب قد تجاوز بسبب أقدميته الزمنيّة (عدّة عقود) حقوق المؤلف.
في هذا الجهاز الصغير الذي يقل وزنه عن ربع كيلوجرام، يمكنك شحن معظم كتب الدنيا والتسكّع معها في البيت والحمام والحدائق العامة والطائرات والمطاعم وسرير النوم!
غيّر الكتاب الإلكتروني حياتي لأكثر من سبب. أهمّها: حال وصولي إلى فرنسا للدراسة الجامعية في المجال العلمي، ثم للعمل كمهندسٍ أولاً قبل أن أمسي بروفيسوراً جامعيّاً منذ 1992، وجدتُ أن عليّ أن أكون انتقائياً في قراءاتي الأدبية؛ لاسيّما أن بعض وقتي اليومي مكرّسٌ للكتابة الأدبية، ومساحة اليوم 24 ساعة فقط.
اكتفيتُ لذلك بالمتابعة الجادة للأدب المعاصر. وصارت لي قائمة واسعة من كُتّاب عصري الذين أقرأهم بانتظام، وأشتري كتب بعضهم يوم صدورها.
هكذا تأجّل من عامٍ لعام موعد قراءة الكتب الكلاسيكية التي لم أقرأ ترجماتها بالعربية في صباي العدَني.
ومع مرور الوقت، بدأتُ أظنُّ أنه تلزمني حياة جديدة لقراءة ما لم أقرأه لِمارسيل بروست، شاتوبريان، جيمس جويس، ستاندال، وعدد من الكتاب الروس والإنجليز الذين لم أقرأ من أعمالهم إلا قليلا… تحوّلَ التأخر في قراءتهم إلى عقدةٍ تخنق عصبونات دماغي، ناهيك عن هوَسِ قراءة ما لم أقرأه من أمهات الكتب بالعربية.
بعد ارتباطي بالقارئ الإلكتروني تساءلتُ: بماذا أبدأ؟… اخترتُ كتاباً كلاسيكيّا مجانياً صغيراً قرأته خلال عدة ساعات قبيل النوم. تكرّرت التجربة اليوم الثاني مع “البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست الذي أخذ عدّة أيّام ولذةً فاقت لذّة قراءته ورقيّاً، لاسيّما وأن البحث عن معنى هذه المفردة الغامضة أو عن بعض التفاصيل الموسوعية لأخرى، تظهر في نافذةٍ مؤقتة فوق المفردة، حال لمسها… تواصلت التجربة أكثر فأكثر، وانفتحت لي أبواب وعوالم جديدة.
ثمّ عاد لي هوَس القراءة بالعربية على الكِندل! سأكرِّسُ المقالَ القادم للحديث عن علاقتها به، والأسباب العميقة لعدم اندماجها في عالمه.

الأربعاء، 3 فبراير 2016

حوكمة الإنترنت

حوكمة الإنترنت
عمر الحياني (اليمن)
هل الإنترنت على وشك الانهيار والتشظي؟ قبل شهور لم تكن أميركا، التي على أرضها اخترعت شبكة الإنترنت، توافق على فكرة الجلوس على طاولة المفاوضات مع الأطراف ذات المصلحة، للاتفاق على مستقبل إدارة الإنترنت.
ظلت الدعوات المتتالية تتلاحق، وتدعو إلى تغيير واقع إدارة الشبكة، لتمثل فيها جميع الأطراف في ظل توجهات إقليمية، تسعى إلى بناء شبكاتها الخاصة، فالصين تسعى جاهدة إلى تصميم وبناء شبكتها الخاصة، وأوروبا، هي الأخرى، تهدد باللجوء إلى تأسيس شبكتها الأوروبية، وكل من روسيا والهند والبرازيل تطمح إلى دور محوري في إدارة الإنترنت.
شبكة الانترنت في منعطف خطير أمام التجاذبات المختلفة بين الأطراف، يضع الجميع أمام قول سلسيان الأرستقراطي في رواية ليوبارد، عشية توحيد إيطاليا "إذا كنا نريد أن تبقى الأمور كما هي، فالأمور يجب أن تتغير".
إذاً، لابد من حتمية التغيير في إدارة شبكة الإنترنت، يمثل فيها جميع الأطراف، بعيداً عن تحكم طرف واحد. ففي وقت كانت فيه الولايات المتحدة منغمسة في التجسس على الشبكة كانت الأطراف الأخرى تعقد المؤتمرات والقمم والمنتديات، للخروج برؤية موحدة لإدارة الإنترنت.
مثلت العاصفة التي أحدثها سنودن حول تجسس وكالة الأمن القومي الأميركية على شبكة الانترنت، نقطة تحوّل في تصاعد وتيرة الانتقادات الموجهة للولايات المتحدة الأميركية، من دول وأطراف عديدة ذات المصلحة، ومنها الأمم المتحدة التي طالبت بسرعة الاتفاق على إدارة دولية للإنترنت، وتعزيز النفاذ إلى شبكة الإنترنت، وأمن واستقرار وتنمية الشبكة.
وللتخفيف من حدة هذه الانتقادات، أعلنت واشنطن في مارس/آذار 2014، تخليها عن دور الإشراف على الإنترنت، بداية من العام المقبل.
وأبدت الحكومة الأميركية استعدادها للتخلي عن دورها في الإشراف على توزيع أسماء نطاقات الإنترنت، عبر منظمة الآيكان، واقترحت إسناد هذه المهمة إلى هيئة دولية. وأوضحت وزارة التجارة الأميركية في بيان لها "إنها ستدعو جميع الأطراف المعنية حول العالم إلى التفكير في طرق تتيح للحكومة الأميركية التخلص من دورها المركزي في إدارة شبكة الإنترنت عبر هيئة الآيكان".
وبمجرد إعلان الولايات المتحدة تخليها عن هذا الدور، بدأ الصراع بشأن الجهة التي ستتحكم في إدارة الإنترنت مستقبلاً، فبعض الدول، كالصين وروسيا وتركيا، ودول أخرى، تسعى إلى الفوز بتنظيم إدارة الإنترنت على المستوى المحلي أو الإقليمي، على الرغم من سجلها السيء في الرقابة على شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام، وهو ما ينذر بخطر كبير على شبكة الإنترنت ودورها المحوري، في تعزيز قيم الحرية والرأي والتفاعل العالمي.
إن دولاً كثيرة لا تبحث عن إنترنت حرّ ومفتوح، بل تسعى إلى مزيد من الرقابة والتحكم في شبكة الإنترنت عبر ممارساتٍ، لا تنسجم مع أبسط المعايير الإنسانية لحقوق الإنسان، في حرية الرأي والتعبير. وهو ما دفع المشرّعين الأميركيين إلى التقدم بمشروع قانون، لإعاقة مسيرة انسحاب الولايات المتحدة عن دورها المركزي، في الإشراف على شبكة الإنترنت.
ولم يكن الصراع القائم بين دول العالم بشأن إدارة الإنترنت ودور أميركا المركزي في الإشراف على الشبكة وليد لحظة فضيحة التجسس الأميركي على شبكة الإنترنت. إذ إن دولاً ومؤسسات عديدة، وحتى الأمم المتحدة ظلت تطالب الولايات المتحدة الأميركية، لأكثر من 16 عاماً، بالتخلي عن سيطرتها الكاملة على إدارة الإنترنت، من خلال هيئة (الآيكان) (ICANN) التي تعتبر الجهة الضابطة للإنترنت، والمتخصصة في توزيع أسماء المجال ونطاقات الإنترنت.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعد منشأ الإنترنت، لكن هذا لا يمنحها حق السيطرة الفردية على إدارة تلك الشبكة، إذ إنها أصبحت شبكة عالمية. وتتحكم الولايات المتحدة في الإنترنت عبر ما يعرف بالخوادم الجذرية (Root Servers)، والتي يمر عبرها كل مستخدم للإنترنت، ليصل إلى أي موقع في أي مكان في العالم. وينتشر حول العالم 13 خادماً جذرياً (10 خوادم منها في الولايات المتحدة تدير معظمها وكالات حكومية ومؤسسات علمية و3 في مناطق أخرى في العالم).
وتعد الخوادم الجذرية محور الاعتراض العالمي على هيمنة الولايات المتحدة، ممثلة بوزارة التجارة، عبر سلطة تعيين أرقام الإنترنت (IANA) التابعة لهيئة الآيكان، على الشبكة العالمية للإنترنت. ما يعني تمكن الحكومة الأميركية من إجراء تغييرات أحادية الجانب على أسماء النطاقات، بالإضافة إلى مقدرتها التكنولوجية العالية في التجسس على كل ما يدور في شبكة الإنترنت، وهو ما سبب قلق العديد من الحكومات الأخرى باعتبار الإنترنت عصب الحياة في القرن الواحد والعشرين، وخاصة أنه أصبح ذا طبيعة خاصة تتعلق بالأمن والسيادة الوطنية.

وقد مرت شبكة الإنترنت بتغيرات جذرية منذ انطلاقتها من شبكة خاصة بوزارة الدفاع الأميركية، إلى كيان عالمي هائل من المعلومات والبيانات. وبرزت، خلال هذه المراحل، تعقيدات وتطورات هائلة في المفاهيم التكنولوجية، لعل أبرزها مفهوم حوكمة الإنترنت، أو إدارة الإنترنت، وهما يحملان المعنى نفسه، كأحد أهم ملامح العالم الرقمي الرئيسية.
ويرى الناشطون المعنيون بحقوق الإنسان، أن حوكمة الإنترنت، من منظورهم، هي حرية التعبير وضمان الخصوصية، على الرغم من أن الأخير أصبح مفهوماً لا وجود فعلياً له، في الواقع.
ويعتقد الجانب الحكومي أن مفهوم حوكمة الإنترنت ما هو إلا سيطرة الحكومة على كل ما يتعلق بالقضايا الخاصة بحوكمة الإنترنت، على المستوى الحكومي، مع مشاركة محدودة من الأطراف الأخرى. ومع تلك الجدليات التي رافقت المراحل الأولى بشأن التفاوض حول إدارة الإنترنت، جمعت اللجنة المكلفة بإدارة الإنترنت (WGIG) مختلف الأطراف ذات الصلة التي أثمرت في صياغة تعريف عملي لمفهوم حوكمة الإنترنت: "يقصد بإدارة الإنترنت قيام الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، كل حسب دوره، بوضع وتطبيق مبادئ ومعايير وقواعد وإجراءات لصنع القرار، وبرامج مشتركة تشكل مسار تطور الإنترنت واستخدامه".
وحسب جوفان كورباليجا وإدوارد جلبشتاين، يمثل هذا التعريف "نقطة انطلاق للجدل الدائر حول أيهما أكثر وضوحاً من اللفظتين، المشار إليهما في حوكمة الإنترنت، أو إدارة الإنترنت". ويواجه مفهوم حوكمة وإدارة الإنترنت العديد من القضايا الشائكة، فأطراف المصلحة في حوكمة الإنترنت، من القطاع الخاص والعام، تلعب دوراً هاماً في تحديد كل من هذه الأبعاد.
بالإضافة إلى أن لكل طرف من أطراف المصلحة في حوكمة الإنترنت ثقافات مهنية متطورة وفريدة للغاية وقواسم مشتركة ومصالح مختلفة، لكنهم يعملون بمعزل عن الآخر بالإضافة إلى تعدد لغات العمل التي تعكس الطبيعة العالمية للمشكلات المتعلقة بالإنترنت.
فوفق بعض الإحصائيات، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت ما يقارب 2 مليار ونصف مستخدم يتكلمون العديد من اللغات المختلفة، ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ منهم لا يستطيعون ﺍﻟﻘﺮﺍﺀﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ بالإنجليزية، وﻳﺴﺘﺨﺪﻣﻮﻥ ﻟﻐﺎﺕ لا ﺗﻜﺘﺐ بالأحرف الإنجليزية.
 فيما لا يزال 5 مليارات من الناس غير قادرين على الحصول عليه، ولا ﺳﺒﻴﻞ لهم ﻟﻠﻮﺻﻮﻝ إلى ﻫﺬﻩ الأداة ﺍلمهمة ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻨﻤﻮ ﺍلاﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻭﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ الاجتماعية.
في ﺩﻭﺭﺓ جمعية الإنترنت ﺑﺸﺄﻥ حوكمة الانترنت في ﺍﺟﺘﻤﺎﻉ (INET) ﺃﺑﻮﺟﺎ، بنيجريا ﻣﺎﻳﻮ/أيار 2007، ﺟﺮﻯ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﻋﻤﻮﻣﺎً ﺑﻀﺮﻭﺭﺓ ﻗﺪﺭﺓ ﺍﻟﻨﺎﺱ في جميع أنحاء العالم على اﺳﺘﺨﺪﺍﻡ الإنترنت بلغاتهم، وأن ﺗﻌﺪﺩﻳﺔ ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ في ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ ﺳتعمل ﻋﻠﻰ ﺟﻌﻞ مجتمع المعلومات مجتمعاً ﺷﺎﻣﻼً ديمقراطياً ﺷﺮﻋﻴﺎً محترماً وتمكينياً على الصعيد المحلي.
إن حوكمة الإنترنت لا تحتمل وجهة نظر واحدة ذات اتجاه واحد في التفكير، والتي لا تتسم بالمرونة الكافية، بل تستدعي إيجاد أدوات معرفية جديدة تمكنها من فك خيوط هذا التعقيد وطرح رؤى ومبادئ إرشادية مشتركة.
"ويظل دمج الجوانب الفنية في حوكمة الإنترنت في الجوانب السياسية من المسائل الأكثر تعقيداً، فالحلول الفنية ليست حيادية بالمرة، وكل دعم فني تقابله مصالح فئة معينة، كما يقول (جوفان كورباليجا وادوارد جلبشتاين) مؤلفا كتاب حوكمة الإنترنت".
ونتيجة لتلاشي الوحدة بين التكنولوجيا والسياسة، ظهرت الحركات والدول التي تطالب بإصلاح منظومة الإنترنت، وهو ما أدى إلى إنشاء هيئة الـ((ICANN الآيكان في عام 1998، كمحاولة لإعادة التوازن المفقود بين هذين الجانبين.
ويثير مفهوم حوكمة الإنترنت جدلاً واسعاً حول ضرورة تطوير العديد من النواحي المتعلقة بالأمور التقنية والفنية، من ضمنها تبادل الاتصالات وتوزيع أرقام بروتوكولات الإنترنت وحماية الملكية الفكرية وتشجيع التجارة الالكترونية.
وكانت القمة العالمية للإنترنت، والتي انعقدت في ساوباولو 25 أبريل/نيسان 2014، في البرازيل قد أدانت التجسس الدولي عبر الشبكة العنكبوتية. واعتبرت مراقبة البيانات الشخصية عملا يعاقب عليه القانون، وجاء في البيان الختامي للقمة إن "المراقبة الجماعية والاعتباطية تقوض الثقة بالإنترنت، وإن جمع واستغلال بيانات شخصية من جهات حكومية، أو غير حكومية، يجب أن يخضع للقوانين الدولية وحقوق الإنسان".
وتظل حماية الخصوصية وحرية التعبير وحق امتلاك واستخدام شبكة الإنترنت من الحقوق التي تسعى منظمات المجتمع المدني لأجل إقرارها في المفاوضات النهائية حول إدارة الإنترنت. وهذه الاحتياجات الملحة تتطلب مشاركة مستخدمي الإنترنت من المنطقة العربية في النقاش الدولي القائم حول كيفية صياغة سياسات الإنترنت مستقبلاً.