الأربعاء، 4 مايو 2011

المدن التقنية وصناعة البرمجيات في اليمن


المدن التقنية  وصناعة البرمجيات في اليمن 
استثمار الغد في الشباب والاقتصاد
عمر الحياني

تمثل اليوم صناعة البرمجيات وتقنياتها أهم أدوات العصر العلمية , واحد أهم المرتكزات الاقتصادية العالمية  حيث استغلت دول العالم  المتقدمة عصر الشبكة العنكبوتية  الاستغلال الأمثل , في بناء  المزيد من الروافد الاقتصادية الجديدة , مكنتها من تعزيز وتنشيط قدراتها الاقتصادية والعلمية .
وفي مقاربة تبدو بعيدة  المنال للوضع في اليمن  حيث تقدر نسبة البطالة ب44% من القوى العاملة في الفئة العمرية (25 – 59) بحسب تقرير الحكومة اليمنية لمؤتمر لندن للمانحين 2009م,وأمية تتعدى 69% من عدد سكان اليمن البالغ تتعداهم 23 مليون ,  هاتان الظاهرتان  تمثلان عائقا أمام بناء الاقتصاد الوطني  على أسس علمية قادرة على خلق بيئة مهيأة لنمو مدن صناعية واستثمارية في اليمن , بالرغم من امتلاك اليمن لمقومات عديدة فموقعها المتميز, وثروتها البشرية التي جلها في عمر الشباب , تمثل أهم العناصر الاقتصادية لقيام  نهضة تقنية في اليمن .
 إن تطلعات الشباب اليوم في تحقيق أحلامهم عبر تسخير اقتصاد المعرفة لأغراض التنمية والتطوير الاقتصادي والمعرفي سوف يساعد على تسارع التنمية البشرية وتنمية الاقتصاد اليمني .
روح الاندماج والابتكار
حيث تمثل عملية  خلق روح الاندماج والابتكار عبر تأهيل الشباب اليمني  في اقتصاد المعرفة  والتكنولوجيا المعاصرة  , سواء بالاحتكاك أو التفاعل مع ما يجري في العالم يعد بعدا وطنيا  سوف يساهم في  تنمية اليمن وتقدمها.
ولا تبتعد تطلعات شباب اليوم  عن  فكر المهاتما غاندي  بقوله " لا أريد أن يكون منزلي محاطا بالجدران من كل الجوانب ، ونوافذي مسدودة . أريد أن تهب ثقافات كل الأوطان على منزلي ، من جميع الجهات ، وبكل حرية . لكنني ارفض أن يقتلعني احد من جذوري".

إن طرح مفهوم الاقتصاد المعلوماتي  في الإنتاج والخدمات سوف يعمل على خلق فكر يسعى نحو تحويل هذا المفهوم إلي  واقع ملموس ينبثق منه إمكانات كبيرة في خلق فرص عمل  في مجال  تقنيات المعلومات والاتصالات التي أصبحت المحرك الاقتصادي الجديد و أكثر الصناعات ديناميكية ونموا في الوقت المعاصر.
البرمجيات صناعة بلا دخان
حيث تعد صناعة البرمجيات صناعة بلا دخان , ومن هذا المنظور ولواقع اليمن وما تمتلكه من  رأسمال يتمثل في العنصر البشري  الذي يعد  احد  أهم مرتكزات هذه الصناعة  فأن   توجيه السياسات الحكومة نحو إستراتيجية  تهيئة البيئة الملائمة لهذا الاستثمار عبر انشأ  المدن التقنية بكل مكوناتها وبنيتها التحتية التي تستطيع استيعاب جميع المتغيرات , مع الاهتمام بتأهيل الكادر البشري على أعلى المستويات العلمية في مجال التكنولوجيا باعتباره المرتكز لهذا التوجه .
وتمثل فكرة  إقامة مدينة تقنية متكاملة حل مناسب للعاصمة صنعاء كونها لا تملك مقومات إقامة مدن صناعية  إنتاجية لاستيعاب القوى العاملة  .
لذا فان إقامة مدينة تقنية متكاملة في صنعاء عبر شراكة حكومية مع القطاع خاص  يمثل حل جذري في سبيل توفير فرص عمل جديدة  وخلق روافد اقتصادية لعاصمة تنمو بسرعة كبيرة جدا .
 المدينة التقنية التي  تستطيع صنعاء تحملها تحمل في مكوناتها مشاريع مختلفة كالجامعات والمعاهد المتخصصة  ومراكز أبحاث معلوماتية , بالإضافة لمقار لشركات البرمجيات والتقنيات وشوارع تجارية متخصصة في الأجهزة الالكترونية ومستلزماتها بالإضافة لمعامل تصنيع بعض مستلزمات الكمبيوتر كمشاريع صغيرة  .
يصف المهندس فواز ألنظاري مدير شركة المختصر للتقنيات ,فكرة بناء مدينة للتقنيات في صنعاء  تستوعب شركات البرمجيات والتقنيات بأنها حلم يراوده , لأنها تعمل على  توفير بنية تحتية متكاملة لشركات قطاع المعلومات والتكنولوجيا .

ولا يقتصر دور المدينة على ذلك بل  سوف تمثل ركيزة أساسية لاستيعاب الشباب ورافد اقتصادي  على أسس علمية تواكب المستقبل برؤى علمية , مع الأخذ في الاعتبار أنها مدينة مفتوحة وحرة لمن أراد أن يقيم فيها مشاريعه الخاصة من جميع دول العالم , مع  الاستعانة بأفضل الكوادر البشرية من مختلف دول العالم لتدريب الشباب اليمني واعداه مع الأخذ في الاعتبار  مساعدته على إقامة مشاريعه الخاصة عبر توفير التمويلات اللازمة وإرشاده في إعداد  دراسات الجدوى لأفكاره حتى يرى النور  .
فالمهندسة زينب واصل  تحلم ببناء مشروعها الاستثماري في مجال صناعات البرمجيات لكن قلة الموارد المتاحة جعلها تحبس أفكارها  لأجل غير مسمى , فتقول أن المدن التقنية مناسبة لمدينة كصنعاء التي لا توجد فيها مدن صناعية تعمل على استيعاب الشباب  وتوفير البيئة المناسبة لطرح أفكار الشباب وتحويلها إلي الواقع العلمي .
المجمعات التقنية
وقد أثبتت المدن التقنية  نجاحها حول العالم كبيئة محفزة، لعبت دور ايجابي في خلق بيئة تنافسية عالمية ذات بعد تنموي مستدام للمدن و البلدان التي أقيمت فيها بل تعدت الفائدة للمنطقة الجغرافية المجاورة لتلك الدول التي تحتوي على مدن تقنية  .
وتعد تجربة الهند في إنشاء المراكز التقنية  تجربة غنية استطاعت أن تحقق للهند مردود اقتصادي خلق منها مركز اقتصادي عالمي  .
وتعد المناطق التقنية في جميع أنحاء العالم بالمجمعات العلمية، والمجمعات التقنية، ومجمعات البحوث، أو مراكز الابتكار. ويشير مصطلح منطقة التقنية إلى التركيز على التقنية، والابتكار، ومشاركة الشركات المستأجرة في الأنشطة القائمة على المعرفة. وتعرّف الجمعية الدولية لمجمعات العلوم مجمّع التقنية على أنه
مبادرة قائمة على الملكية، لها صلات رسمية وتنفيذية مع الجامعات أو غيرها من مؤسسات التعليم العالي، أو المراكز الرئيسية للبحوث • مصممة بشكل يهدف إلى تشجيع تشكيل ونمو الصناعات القائمة على المعرفة، أو الشركات ذات القيمة العالية المضافة، والتي تكون مقيمة عادة في الموقع.
فتوفير الخدمات للزبون في بيئة مناسبة , وتوفير البنية التحتية للمشاريع الاستثمارية  يمثل هدف أساسي لنجاح المشروعات وفقا لمختار عبد الغني من الشركة العالمية للكمبيوتر  .
إن السعي لخلق بيئة ابتكاريه ومشجعة على الاستثمار هو الضمان الوحيد لبناء يمن مستقر على المدى القريب والبعيد .

الأربعاء، 6 أبريل 2011

فضولي وفضولي: إدارة صنع الاكتشاف

فضولي وفضولي: إدارة صنع الاكتشاف
حذار من الرغبة في توجيه البحث بشكل وثيق جداً، يقول أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل. علمنا التاريخ قيمة الفضول العلمي الحر.

أحمد زويل كتبها في مجلة ناتشر


في زيارة رسمية لجنوب شرق آسيا مؤخراً، سألني أحد رؤساء الوزراء: "ما الذي يتطلبه الحصول على جائزة نوبل؟" أجبت فوراً: "الاستثمار في البحوث الأساسية وتجنيد أفضل العقول." يبدو أن هذا النهج الذي يحركه الفضول أصبح من الطراز القديم ولا يقدر حق قدره في عصر العلم الحديث. يعتقد البعض أنه يمكن تحقيق المزيد عن طريق إدارة توجهات الأبحاث بإحكام — وكأننا نستطيع توقع المستقبل. أنا أؤمن أن تلك الفكرة للأسف خاطئة وأثرت وأصابت تمويل الأبحاث. أسمع مراراً، خاصةً في الدول النامية: "نحن بحاجة إلى الأبحاث التطبيقية." ليس هناك شيء خطأ بدولة لديها أبحاث موجهة الرسالة وتطور لحل مشاكل معينة أو لتركز في برامج التوعية، مثل استكشاف الفضاء أو الطاقة البديلة. خلال زياراتي كموفد العلم للولايات المتحدة، شددت أن بدون الاستثمار الصلب في التعليم العلمي في بناء قاعدة أساسية للعلوم، الدول لن تكتسب المعلومات الرائدة المطلوبة لصنع الاكتشافات والاختراعات التي ستشكل مستقبلهم.

هناك عدد لا يحصى من الأمثلة لأبحاث لها السبق قادها الفضول. في عامي الأول كعضو جامعي في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) في باسادينا عام 1976، تحدثت أنا والراحل ريتشارد فينمان عن دراسة نظرية نشرها منذ 20 عاماً في بصريات الكم والتي فتحت المجال لتجارب، تقدم طريقة لتصور التفاعل بين ضوء الليزر والمادة. أخبرني بابتسامة أن كل ما أراده في ذلك الوقت كان أن يجيب على سؤال أساسي: لو كانت لحظة الدوران تغير اتجاها في المجال المغناطيسي، فهل لحظة الإنتقال البصرية ستفعل مثلها؟ ربما مثل أكثر عامية لذلك هو تطور ضوء الليزر بواسطة تشارلي تاونز. في الاحتفالية بالعيد الخمسين لاختراعه بباريس هذا العام، أكد تاونز أن الذي دفعه منذ البداية أسئلة أساسية عن الموجات الصغرى (الميكروويف) الطيفي وكيفية تضخيم الضوء. كما أخبرت الجمهور في باريس، كان الفضول هو ما أتى بمساهماتي لعلم الفيمتوثانية، والتي منحت جائزة نوبل بسببها، والمجهر الالكتروني رباعي الأبعاد لتصور المادة في الفضاء والوقت.

“صنع معرفة جديدة غير سهل ولا يجني المال على المدى القصير”

ميكانيكا الكم، النسبية، وفك الرموز الجينية هي اكتشافات صنعت على طول المسارات نفسها، وكذلك تكنولوجيات ثورية مثل التصوير بالرنين المغناطيسي (نبعت من أبحاث بدافع الفضول عن دوران الالكترون) والترانزيستور (تم اكتشافه كنتيجة للفضول عن طبيعة الالكترونات في اشباه الموصلات). صناعات تكنولوجيا المعلومات الرقمية والتحويل والصناعات الطبية التي تبعتها تشكل العمود الفقري للاتصالات والاقتصاد العالمي. الفضول مجزي!

كيف يمكننا التأكد من أن مثل تلك الأبحاث تحظى بالتشجيع اليوم؟ البحث بدافع الفضول يلزمه عالم مبتكر يعمل في بيئة تشجع التفاعل بينه وبين باحثين ومتعاونين من مجالات مختلفة. ولكن تلك السمات لا يمكن، ومن الضروري، ألا تنسق بواسطة إدارة ثقيلة ومهيكلة، وذلك لأن العقول المبدعة والبيروقراطية لا يعملوا بانسجام سوياً. لذا هل هناك صيغة لإدارة صنع الاكتشاف؟ تكمن الإجابة في تقبل ثلاث أساسيات. أولاً، والأكثر أهمية، هي الأشخاص المشاركين. إعطاء أهمية مناسبة لتقديم تعليم ملهم وشامل في العلوم والتكنولوجيا والرياضيات والهندسة شيء أساسي. الأبحاث والتطوير في حاجة لجذب أفضل العقول الشابة. المباني الكبيرة والتمويل الضخم لن ينتج الكثير بدون الأشخاص المناسبين.

ثانياً، خلق مناخ من التبادل الفكري من الأهمية القصوى لتبلور الأفكار. صرف انتباه أعضاء الكلية بكتابة عروض عديدة ومطولة أو تحويلهم لمديرين هي بداية النهاية. مشروع العلم الحديث أصبح منتفخ ومعقد ولذلك فإن النماذج التقليدية للتمويل يجب أن يعاد النظر فيها. كيف يمكننا تركيز الموارد على أفضل العلوم وما مستوى التمويل الذي نحتاجه لخدمة المجتمع بشكل أفضل؟

ثالثاً، بدون الموارد لا يمكن انجاز الا القليل، مهما كانت درجة ابداع العقول. من الواضح، أن هناك حاجة للاستثمار في العلم لبناء المعدات ولتعيين الموظفيين الكفؤ. الدول والمؤسسات التي تقدم البنية التحتية الأساسية والتي تمول الأفكار ستكون موطن الاكتشافات. ولكن مثل هذا الدعم يجب أن يتبع رؤية باحثيين مبدعيين، ولا يبنى فقط لاصطياد المال أو لإجبار الناس على الاتجاه لمجالات الأبحاث الأنيقة مثل تكنولوجيا النانو.

اليوم، المسؤلون في العديد من الدول النامية يريدون إيجاد طرق للوصول إلى مستويات الإبداع للدول المتقدمة. في أثناء البحث، يغفلون في كثير من الأحيان عن الدور الرئيسي للأبحاث الأساسية و التعليم العلمي؛ وللأسف، نفس النزعة بدأت في الزحف للدول المتقدمة. القادة السياسيون يجب أن يقدروا أن البحث عن معلومات جديدة هو ما يدفع الإبداع، وبدونه لن ينجذب الطلاب الشباب للمهنة.

لقد كنت سعيد الحظ أن أقضي الثلاثين عاماُ الماضية من مهنتي في مؤسسة تؤمن بمثل هذه القيم. بالرغم من الضغوط للتغيير، أتمنى أن تستمر Caltech في الحفاظ على ثقافتها الفريدة مثل — بكلمات أحد زملائي و الرئيس السابق لـCaltech، دايفيد بالتيمور — "قرية العلم". الحفاظ على المعرفة سهل. نقل المعرفة سهل أيضاً. ولكن صنع معرفة جديدة غير سهل ولا يجني المال على المدى القصير. الأبحاث الأساسية أثبتت أنها تجلب المال على المدى الطويل، وعلى نفس مستوى الأهمية ، فإنها قوة لإثراء ثقافة أي مجتمع بالمنطق والحقيقة الأساسية.

أحمد زويل حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عم 1999. هو عضو في مجلس المستشارين في العلوم والتكنولوجيا الخاص ببارك أوباما. 

قامت بترجمة هذا المقال علا الغزاوي ويعاد نشره هنا بموافقة مجلة ناثسر

الجمعة، 11 مارس 2011

ديوكسين في البيض

هلع في دول الاتحاد الأوروبي ... ديوكسين في البيض
السبت, 05 مارس 2011 صحيفة الحياة اللندنية
راغدة حداد وعماد فرحات

عمَّت ألمانيا مؤخراً موجة ذعر امتدت الى دول أوروبية أخرى، عندما تبين أن كميات كبيرة من البيض ولحوم الدجاج ملوثة بالديوكسين السام الذي احتواه العلف في آلاف المزارع الألمانية. وقد سارعت الحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي الى اتخاذ تدابير لتشديد الضوابط والمعايير الخاصة بصناعة الأعلاف ولسد ثغرات في نظم المعاينة والسلامة. هذا المقال يضيء على هذه الفضيحة الغذائية، للفت الاهتمام الى تقصير السلطات المعنية في الدول العربية في الحرص على سلامة المواد الغذائية المنتجة والمصنعة محلياً أو المستوردة من الخارج.

هبطت مبيعات البيض والدجاج في ألمانيا بشكل حاد بعد إطلاق إنذار صحي في 3 كانون الثاني (يناير) 2011، عندما أُعلن أن علفاً ملوثاً بالديوكسين السام أطعم للدجاج. أغلقت السلطات نحو 4700 مزرعة، وانتشر مئات المفتشين لمعاينة جميع المزارع التي يشتبه بأنها استعملت ذاك العلف، وتم إعدام آلاف طيور الدجاج. ونصح المستهلكون بألا يشتروا إلا البيض واللحم العضويين ريثما تنتهي أعمال المعاينة.

موجة الذعر كلفت المزارعين الألمان نحو 50 مليون يورو في الأسبوع. وما زال التحقيق جارياً مع شركة «هارلس أند ينتش» للدهون الصناعية والأعلاف، التي وزعت أحماضاً دهنية صناعية مخصصة لإنتاج الورق والوقود الحيوي على مصنِّعي الأعلاف الحيوانية.

الفضيحة أغضبت المستهلكين وأثارت حالات تأهب صحية دولية. وقامت تظاهرات شعبية حمل بعضها شعار «طفح الكيل، لا للهندسة الوراثية والمصانع الحيوانية». وكانت الغضبة عارمة بشكل خاص لأن السلطات علمت بالتلوث قبل أشهر من إعلانه. وكانت اختبارات أجريت في آذار (مارس) 2010 أظهرت مستويات عالية من الديوكسين تتخطى الحدود المسموحة في أحماض دهنية أنتجتها تلك الشركة للاستعمال في تصنيع علف حيواني. وحظرت روسيا مستوردات لحوم الدجاج الألمانية، وفرضت الصين وكوريا الجنوبية قيوداً عليها، وعبرت بولندا وتشيخيا وبلدان أخرى عن قلقها في شأن مستورداتها الغذائية من ألمانيا.

وسارعت الحكومة الألمانية الى اتخاذ سلسلة تدابير عاجلة لتشديد الضوابط والمعايير الخاصة بصناعة الأعلاف ولسد الثغرات في نظام المعاينة والسلامة. فأقرت قانوناً جديداً يلقي مسؤولية إضافية على المختبرات الخاصة ويلزمها إبلاغ السلطات بتحاليل مشتبه بها لمواد غذائية أو أعلاف حيوانية. كما فرضت على الشركات المنتجة للأعلاف والمواد الغذائية أن تعلم السلطات بأي كميات من الديوكسين أو مواد خطرة أخرى تكتشف في منتجاتها. وهذا يتيح استحداث نظام للإنذار المبكر بالتلوث. ومن التدابير التي يعتزم اتخاذها نظام ترخيص جديد لمصانع الزيوت والدهون التي تدخل في إنتاج الأعلاف الحيوانية، وفصل إنتاج الدهون والزيوت المعدة للاستعمالات الصناعية عن تلك المعدة لاستعمالات العلف الحيواني. ويدرس الاتحاد الأوروبي حالياً سياسة لدعم أسعار بعض مستلزمات المزارع، من أجل تشجيع نظم زراعية محلية مستدامة ولا تعتمد على الشبكات التجارية المعقدة.

كيف حدث ذلك؟

عندما نقرأ كلمة «بيض»، قد نتصور عمالاً في مزارع صغيرة نظيفة تنتج البيض الطازج من دجاجات سعيدة، وموظفين كفوئين في مصانع تفقس هذا البيض بعناية لمعالجته وتعليبه وتصنيعه بحسب متطلبات المنتجات الغذائية.

لكننا اليوم نسمع عن مادة تستخدمها الصناعات الغذائية منذ بضع سنوات وتدعى «البيض السائل المعقم». وما يحدث في الواقع هو أن البيض يأتي غالباً من دجاج يربى في أقفاص داخل مزارع صناعية، ويباع الى شركة يتولى مصنعها نزع قشوره وتعريضه لحرارة عالية جداً، ما يقتل أي بكتيريا قد تسمم الغذاء الذي يدخل فيه. لكن الحرارة تتلف أيضاً الفيتامينات التي تجعل البيض مغذياً. والسبب الحقيقي لهذه المعالجة هو أن البيض السائل، بعد تعقيمه، يتحول الى منتج يدوم وقتاً طويلاً، مثل الحليب المعقم، بحيث يمكن توضيبه وتخزينه في درجة حرارة الغرفة لاستعماله بعد أشهر أو حتى سنوات. وهو يستخدم في المطاعم ومطابخ تعهد مآكل الحفلات.

ويلجأ المصنعون في الدول الغربية في شكل متزايد الى استعمال هذا المكوِّن الغذائي الذي فقد طبيعته الخاصة، بسبب صرامة الأنظمة التي تحكم استعمال البيض النيء الطازج. هكذا يدخل في تشكيلة من السلع الغذائية، مثل الكعك والحلوى وفطائر الـ «كيش» والمايونيز وغيرها.

حادثة تلوث البيض الألماني التي ضجت بها أوروبا تبين كيف أصبحت المكونات الشائعة لصنع الغذاء سلعاً دولية، تشترى وتباع في سوق عالمية. البيض الملوث بالديوكسين أتى من ألمانيا، حيث أطعم الدجاج علفاً دخلت في تصنيعه دهون ملوثة بالديوكسين أعدت أصلاً لصناعة الورق أو الوقود الحيوي، لكنها وزعت على مصانع لإنتاج العلف. ومن ألمانيا أرسل البيض الى هولندا، قاطعاً مئات الكيلومترات، لمعالجته وتحويله الى بيض سائل معقّم. ثم نقل بحراً وبراً الى شركات في بلدان مختلفة استخدمته في إنتاج مواد غذائية تم توزيعها على المتاجر.

والبيض الملوث بالديوكسين لا يختلف عن أحداث تلوث غذائي سابقة، مثل المضاد الحيوي نيتروفوران في الروبيان عام 2002، والصبغة الصناعية Sudan 1 التي تستعمل في المذيبات ومركبات صقل الأرضيات والتي أخذت طريقها عام 2003 الى مواد غذائية مثل صلصة الباستا والوجبات الجاهزة. العنصر المشترك في هذه كلها احتواؤها على مكونات مبهمة استعملت في شكل غير قانوني في بلدان تبعد آلاف الكيلومترات عن البلدان التي استهلكت فيها، وهي تعرف جميعاً بأنها مسرطنات.

وبفضل السلسلة الغذائية المعولمة في شكل متزايد، وبما أن السلطات قد تحتاج الى أسابيع أو شهور لتحديد مصدر المشكلة والأغذية المتأثرة بها، فإن المكوِّن الخطير قد يلوث آلاف المنتجات في المتاجر خلال أيام. وقد نأكل هذه المنتجات قبل أن تتنبه السلطات المعنية للمشكلة.

لكن سلسلة الإمدادات الغذائية الطويلة والمعقدة ليست إلا جزءاً من المشكلة. فكثيراً ما تعمد مزارع المواشي والدواجن الصناعية الكبيرة الى استخدام أرخص علف حيواني ممكن لتخفيض نفقاتها الإنتاجية، علماً أن العلف يشكل أكثر من 50 في المئة من كلفة الإنتاج. ولا ننسَ أن مرض جنون البقر (BSE) الذي تسبب بأكبر حالة ذعر صحي غذائي في تسعينات القرن العشرين نشأ من علف حيواني ملوث، كذلك تفشي الحمى القلاعية في بريطانيا عام 2001، وموجتا التسمم الغذائي بالديوكسين في بلجيكا عام 1999 وفي إيرلندا عام 2008.

في موجة الذعر الأخيرة التي شهدتها ألمانيا، تبين أن الدهن الصناعي الذي أضيف كمادة مكملة الى العلف يحتوي على مستويات من الديوكسين السام والمسرطن تفوق 5 مرات أو أكثر المستويات المأمونة بحسب المعايير الأوروبية. والديوكسين منتج ثانوي للصناعات الكيماوية، كما ينجم عن حرق النفايات وعملــيات أخــرى. وهــو يتراكم في الطبيعة والأنسجة الدهنية في أجسامنا، خــصوصاً من خــلال اســتهلاك أغذية مصدرها حيوانات ونباتات تراكمت فيها مستويات منه. وعلى رغم أن أثر الديوكسين على صحتنا ليس فورياً، فإن التعرض الطويل لمستويات عالية منه قد يسبب أمراضاً سرطانية ويضر بجهازي المناعة والتناسل.

في بريطانيا، التي استوردت كمية كبيرة من البيض الملوث بالديوكسين، طمأنت وكالة مقاييس الغذاء المواطنين بأن الخطر الناجم عن تناوله منخفض جداً، لأن البيض الألماني مزج ببيض «قانوني» في هولــندا قبل شحنه الى بريطانيا. ولكن حتى الضوابط المشددة التي تتخذها الحـــكومة الألمانية قد لا تحول دون حدوث حالات ذعر صحية في المســتقبل. وقد تأتي المصيبة الغذائية من مصدر آخر أو من بلد آخر. فــي إيطاليا مثلاً، علت الصرخة عام 2008 من مستويات عالية للديوكسين في حليب الجواميس الذي يصنع منه جبن الموتزاريلا، وألغيت طلبات التصدير، وقيل إن محارق النفايات حول مدينة نابولي ربما أدت الى ارتفاع مستويات الديوكسينات المسرطنة في المروج التي ترعى فيها القطعان.

سلامة الغذاء في المنطقة العربية

فضيحة الديوكسين في ألمانيا ما زالت قيد التحقيق، وسوف تعرف تفاصيلها وينال المتورطون فيها قصاصهم. ولكن كم من الفضائح الغذائية تحصل في بلداننا العربية ويفلت صانعوها من العقاب؟ والى أي مدى يتم فحص سلامة الأعلاف والمواد الغذائية من الديوكسينات وبقايا المبيدات وغيرها من السموم... والمنتجات المعدلة وراثياً التي ما زال الجدل حامياً في شأن تأثيراتها الصحية؟

جاء في تقرير «البيئة العربية: تحديات المستقبل»، الصادر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية عام 2008، أنه باستثناء منتجات قليلة خاصة بالرعاية الصحية، فإن أياً من البلدان العربية لا ينتج حالياً منتجات لها علاقة بالتكنولوجيا الحيوية. لكن هناك 14 بلداً عربياً هي أطراف في بروتوكول قرطاجنة للسلامة الأحيائية الذي ينظم استيراد وتصدير الكائنات المعدلة وراثياً (GMOs). والمشكلة الرئيسية حالياً هي تنفيذ البروتوكول في شكل غير واف، مما يؤدي الى حالات نجد فيها بعض السلع القائمة على منتجات معدلة وراثياً، مثل الذرة والرز الطويل وفول الصويا وزيت الطهو، تُستورد وتتوافر في الأسواق العربية من دون الإعلان عنها أو وضع ملصقات عليها تبين محتوياتها. والنقطة الأساسية في المشكلة هي انعدام الآليات التنظيمية والتطبيقية والبنى التشريعية والإدارية والخبرة التقنية. لذلك يجب توجيه المزيد من الموارد الى مجالات تطوير التكنولوجيا الحيوية، لتتمكّن البلدان العربية من اتخاذ قرارات معززة بالمعلومات حول المنتجات التي تستوردها.

المبيدات والأسمدة تُستعمل على نطاق واسع في المنطقة، ويُساء استعمالها في كثير من الحالات. وتسجل في دول عربية بعض أعلى كميات الأسمدة لكل هكتار في العالم. ويثير الاستعمال المكثف للمبيدات والأسمدة مخاوف حول سلامة الغذاء كقضية صحية عمومية. ويفتقر معظم البلدان العربية الى فرض أنظمة وضوابط على بيع المبيدات وتداولها واستعمالها. ولا تتوافر في معظمها مختبرات موثوقة لتحليل مخلفات المبيدات في المنتجات الزراعية المعروضة في الأسواق، أو لفحص ما يمكن أن تحويه المواد الغذائية أو المصنَّعة محلياً من المواد السامة أو المسببة للسرطان، ولا تبذل جهود كافية لتحليلها حيث تتوافر المختبرات.

لذلك فإن الالتزامات التشريعية والمؤسساتية ضرورية في هذا الصدد. ويجب معالجة هذه القضايا على المستوى الإقليمي. فلدى كثير من بلدان المنطقة الموارد والقدرات اللازمة لأداء أفضل، والمفقود هو وعي واضح للموضوع. وعلى الحكومات العربية أن تنظر في إدخال إصلاحات مؤسساتية وإدارية وتدعم إنشاء مختبرات متطورة لضمان سلامة الغذاء الذي يتم إنتاجه وتصنيعه واست