لطالما سحرتني الحكايات العلمية عن الكون الفسيح والهائل، وعن جزيئات المادة وصغرها المتناهي، وكنت في كثير من المرات اندهش أكثر من أن أعرف أو أفهم، وأتذكر أن أحد الكتب التي اقتنيتها في المرحلة الإعدادية كانت عن شرح النظرية النسبية لمؤلف عربي متخصص في مجال الفلسفة، ولم أفطن إلى أن التعقيد في نظرية النسبية لم يكن ينقصه تعقيد الفلسفة، والنتيجة أنني لم أفهم شيئاً سوى أن الضوء الذي يلمع في السماء هو لنجم لم يعد موجوداً أصلاً.
مع ذلك ظللت أقرأ بعناد بغل ما يقع تحت يدي من قصص علمية، ولسوء حظي أو فهمي فقد كنت أتعقد أكثر، وعندما كتبت ذات مرة في هذا المكان عن تقنية النانو شعرت وكأنني كتبت لنفسي فقط، فتركت هذه العادة السيئة، وانصرفت ومعي القارئ تقريباً إلى الاهتمام بقصصنا اليمنية التقليدية جداً، التي لا تنتمي إلى عصر العلم أبداً.
في الواقع ظلت هناك أشياء علمية تلهب خيالي باستمرار من نوع أن الضوء يقطع المسافة بين الأرض والقمر في زمن مقداره ثانية واحدة، وهذه مفهومة، لكن أن يستطيع العلم إيجاد مقاييس لتحديد الزمن الذي يقطعه الضوء بين قطر شعرة الرأس فهذا يشبه معنى الجملة التي كان يرددها استاذ الرياضيات في مدرستنا بالقرية عندما نسأله عن مسألة حسابية صعبة فيرد: "اذا كنت عاجب فأنا مطنن"!
حسناً، العالم العربي أحمد زويل نال جائزة نوبل في الكيمياء لأنه تمكن من وضع وحدة قياس يستطيع بها حساب الزمن الذي يقطعه الضوء بين قطر الشعرة، وحدة القياس هذه أو التقويم الزمني بوصف زويل هي "الفمتو ثانية" وهي تساوي جزء من مليون مليار جزء من الثانية، وبكلام مفهوم فإن النسبة بين الثانية والفيمتو ثانية هي النسبة بين الثانية و32 مليون سنة. والإنجاز الرئيسي في عمل زويل أنه استطاع أن يرصد ويصور التفاعلات الكيميائية الدقيقة داخل الذرة وبذلك يكون أول شاهد عيان للأحداث الكيميائية التي تقع في زمن يقدر بجزء من مليون بليون من الثانية.
وكنت قد سمعت أن كبير العلماء العرب زويل، المرشح للفوز بجائزة نوبل للمرة الثانية في مجال الطب، يمتاز بقدرته على شرح الأشياء المعقدة بطريقة سهلة وميسرة، فاشتريت كتابه "عصر العلم" الذي صدر في العام 2005 وطبع منه حتى العام الجاري 12 طبعة، وقرأت في الجزء الأول منه رحلة "أذكى رجل مصري" إلى بلاد العم سام والصدمات العلمية والسياسية والحضارية التي واجهته في ذلك المجتمع، وكيف كانت مالكة المنزل الذي استأجر فيه أول شقة في ولاية فيلادلفيا تشرح له أن الجهاز الموجود في ركن المطبخ اسمه"ثلاجة" وهو يستخدم لتبريد الأشياء، ولم يستطع إقناعها أنه قادم من بلد توجد فيه مثل هذه الأجهزة ولا داعي لشرحها أو طريقة استخدامها.
ومن عاداتي التي أحاول التخلي عنها أن إعجابي بالكتاب ينتقل على الفور إلى المؤلف، وأحياناً يُهيأ لي أن المؤلف أصبح يعرفني لكثرة ما قرأت له، وسيستقبلني بالأحضان في أول لقاء. في الواقع هناك دائماً علاقة تنشأ بين القارئ والمؤلف، غير أني "زودتها حبتين" وأنا أتهيأ للقاء زويل في منتدى الإعلام العربي الذي عقد في مايو الماضي في دبي وافتتح جلساته زويل بكلمة عدها المتابعون أشهر كلمة افتتاحية قيلت في المنتدى منذ انطلاقه قبل 9 سنوات.
زويل الذي جاء إلى المنتدى بصحبة الشيخ محمد بن راشد خيب ظني الساذج ولم يتعرف إليّ بين 1800 شخص حضروا الجلسة الافتتاحية، حتى وأنا أصافحه بعد أن ألقى الكلمة، فقد كان مشغولاً بالمئات الذين التفوا حوله وبينهم الكاتب فهمي هويدي الذي كتب مقالاً قبل فوز زويل بنوبل، انتقد فيها احتفالات الحكومة المصرية المبالغ فيها بزويل، ووصفها بالزفة التي لا داعي لها ولمح في المقال إلى ارتباط هذا الأخير بدوائر وأجهزة معروفة بعلاقتها المتينة باسرائيل، ذلك كان في نهاية التسعينيات، ويبدو أن رأي الرجل في زويل قد تغير. وبالنسبة لي، ورغم أن زويل -كما اتفقنا- صديقي، لم أقاطع ما يكتب هويدي ولا زلت مستمراً في قراءة عموده الأسبوعي في جريدة الخليج الإماراتية.
في الجلسة الافتتاحية التي ألقى فيها زويل كلمته وهي مسجلة على موقع اليوتيوب كان الصديق نصر طه مصطفى والعميد علي الشاطر يجلسان في الصفوف الأمامية يستمعون إلى ما يقوله الرجل عن خطط أمريكا لإرسال رجل إلى سطح المريخ، والخلايا الجذعية التي ستمكن الإنسان من صناعة قلب أو رئة احتياطيين يحتفظ بهما في الثلاجة لتبديلهما وقت الحاجة، وصعوبة غلق النوافذ الإعلامية والسماء ممطرة بالمعرفة، وقد خطر لي في تلك اللحظات سؤال بدا لي فيما بعد غبياً جداً: هل سينقل الشاطر شيئاً من حديث زويل إلى الرئيس في أول لقاء له به؟
نصيحتي للقارئ أن يقرأ "عصر العلم" الذي ألفه زويل وحرره الصحفي المصري أحمد المسلماني الذي يحب أن يوصف بالسكرتير الإعلامي للعالِم العربي، وفي الكتاب قصة الرجل المصري المقعد الذي يعيش على بيع عقود الياسمين في ساحة مسجد الحسين بالقاهرة الذي أجهش بالبكاء فور رؤيته للعالم زويل افتخاراً به، مصرّاً على إهدائه كل عقود الياسمين رافضاً أي مقابل مادي.
هذه القصة هزتني، كما قصص كثيرة عبرت بصدق عن فرح المصريين بعالمهم الكبير دون أن يعرفوا -كما قال زويل- بما حققه لأنهم لم يكن يعنيهم ذلك. كان يهمهم أن واحداً من أبنائهم بسحنته التي تشبههم قد أدخل إلى قلوبهم الفرح والأمل، ويستطيعون أن يتباهوا به ويتفاخروا كما لو أن هذا الرجل واحد من أفراد عائلاتهم، كما يقول الكاتب صلاح منتصر "ربما ابنك أو أخوك أو عمك، وفي كل الحالات فأنت تريد أن تحتضنه وتضمه إلى صدرك".
يعتبر العلم والأعلام إحدى ركائز التنمية التي لا غنى عنها اليوم؛ فقد رفعت إحدى الندوات العلمية التي نظمها معهد ألصحافه الأسيوية الهندية عام 1975 بالتعاون مع مركز الأبحاث للتنمية الدولية ألكنديه شعار ( لا تنميه ولا علوم بلا إعلام )؛ ومن هذا المنطلق كانت الحاجة لدعم المجهود العلمي للمؤسسات العلمية بالعمل الإعلامي للإفصاح عن مجوداتها وللتعريف بها، فكان أنشاء المركز الإعلامي لجامعة العرب الطبية، صرح جديد، استجاب لمتطلبات العصر، يدعو الأكاديميين والباحثين وأساتذة الجامعات للالتفات لأحد أدوات التنوير الحديثة، والتي تهدف إلى بناء وخدمة المجتمع عبر تقديم المعلومات الصحيحة من منبعها، فالإعلام العلمي المتخصص والذي يعتبر أحد اهتماماتها يحتاج منا إلى مد جسور التعاون بالمتخصصين في المجالات المختلفة، حتى نتمكن من المواكبة والمتابعة المستمرة لما يستجد من تطورات علمية على الساحات العلمية المختلفة؛ فليمسك الباحث الأكاديمي قلمه الآن ليخط مقالته العلمية، ويشارك معنا في تنمية مجتمعاتنا.
قال العرب قديماً؛ (( لكل مقام مقال )) ، وعدّوا بلاغة الكلام في أن يناسب المقال الحال، ومقال الحال اليوم يقول؛ بما أننا نعيش عصر العلم، فأن المعلومة والمعلومات ولغة الحقائق والأرقام هي لغة الخطاب المناسبة للوصول للجمهور وإقناعه والتأثير عليه، فلم يعد اليوم القارئ يقتنع بأي معلومة يقرأها أو يسمعها فكثرة المعلومات وتضاربها وكثرة الجدل والآراء حولها، والتنافس المحموم بين وسائل الإعلام، جعلته يبحث جاداً عن المعلومة الصحيحة، والمعلومة الصحيحة سيجدها عند المتخصصين فقط، ونحن في مجلتنا نطرح للمعلومة الطبية المتخصصة.
إن المتخصص عندنا هو شخص أكاديمي أعتاد كتابة البحث العلمي بأسلوبه العلمي الجاف، فهو يصيغ الحقائق العلمية لمجرد أبرازها والتعبير عنها دون العناية بالناحية الفنية والجمالية؛ وهذا الأسلوب بالطبع لا يصل بسهولة لعامة القراء، ومن هنا نشأت الحاجة للمقالة العلمية الصحفية والتي تعمل على تبسيط المعلومة وإيصالها بأسلوب علمي متأدب للقارئ، حيث يضفي هنا الكاتب على كتاباته نوع من الأدب أو الذوق الأدبي بحد معقول، هذا الأسلوب نحتاجه بشدة كي نستطيع دمج المواطن العادي حقيقةً من خلال وسائل الإعلام فيما يجري داخل مراكز الأبحاث وأروقة المؤتمرات، إضافة إلى ما يستجد على الساحة العلمية من اكتشافات وأخبار، وبهذا نعمل على أن نصدر منهجنا العلمي والفكري للمواطن العادي، فعلينا أن نخرج بالعلم خارج قاعات الدراسة، إلى المجتمع، فالعلم والإعلام يوظفان أساساً لخدمة المجتمعات، وعلينا أن نعمل على إشاعة الفكر العلمي، والمنهج العلمي كأسلوب حياة وعمل، يستشعر به المواطن العادي وينهل منه ليطور من أسلوب تفكيره ويغير من نمط حياته.
يتبين جلياً لنا هنا أن الإعلام والصحافة المتخصصة، أصبحت اليوم ضرورة مادية نتيجة للمتطلبات التعليمية والاجتماعية والثقافية، وهنا نجد أن الكاتب المتخصص في الأوساط العلمية والذي يندر وجوده سيدفع بالمشروع الثقافي للأمام، كما أن الجمع بين العلم والإعلام أصبح مطلب متقدم يواكب روح العصر؛ هذه الروح تجاوزت حد التخصص أيضاً إلى دمج التخصصات مع بعضها البعض في الكثير من المجالات، وهذا لتلبية احتياجات العمل والمجتمع مما يجعل الإنسان في بحث دائم عن العلم والمعرفة الأفقية خصوصاً، ليصبح هناك تنوع في الحلول والمعالجات تمكن الفرد على تجاوز المهام الصعبة.
يعرف الإعلاميون الإعلام المتخصص على أنه “نمط إعلامي معلوماتي يتم عبر وسائل الإعلام المختلفة، ويعطي جل اهتمامه لمجال معين من مجالات المعرفة، ويتوجه إلى جمهور عام أو خاص، مستخدماً مختلف فنون الإعلام من كلمات وصور ورسوم وألوان وموسيقى ومؤثرات فنية أخرى، ويقوم معتمداً على المعلومات والحقائق والأفكار المتخصصة التي يتم عرضها بطريقة موضوعية، وبهذا يستخدم الإعلام المتخصص مثله مثل الإعلام العام مختلف عناصر التشويق وأساليب العرض والتقديم من سرد ودراما وندوة وحوار وتمثيلية ومسلسل، ومقالة، وتحقيق وتقرير،وأفلام وثائقية، وما إلى ذلك” هذا النمط من التفكير فتح باب الإعلام على مصراعيه للتعامل مع كافة التخصصات لتتسع قاعدته، وتتنوع أشكاله، فيقدم من المواد ما يشبع رغبة كل فرد في أي المجالات شاء؛ فتفِد إلى الإعلام في طرح قضاياه، علوم ومعارف كثيرة ومتعددة، فاستفاد الإعلام من العلوم الأخرى فظهر الإعلام الاقتصادي ، والإعلام السياسي ، والإعلام الديني، والإعلام الطبي والإعلام العلمي، وغيرها من التخصصات، وصار الإعلاميون يجمعون في دراساتهم بين فنون الإعلام المختلفة وتخصصات أخرى، وصار المتخصصون في مجالات علمية مختلفة يفِدون إلى ساحات الإعلام دارسين لفنونه وحرفياته ليجمعوا بين فنون وعلوم الإعلام وبين تخصصاتهم الأخرى، فظهر تبعاً لذلك الصحفي السياسي، والصحفي الرياضي ، والإعلامي الاقتصادي، ورجل الإعلام الديني وغيرهم كُثر.
تُعتبر الصحافة العلمية والمقالة شكل من أشكال الإعلام العلمي ، وهنا يعرف الإعلاميون المقالة بشكلها العام على أنها ” قطعة من النثر معتدلة الطول، تعالج موضوعاً ما معالجة سريعة من وجهة نظر كاتبها وهي بنت الصحافة نشأت بنشأتها وازدهرت بازدهارها” وتصنف المقالة والبحث العلمي كنوع من أنواع الكتابة الإبداعية شأنها شان القصة والمسرحية والشعر، إلا أن المقالة من أكثر الفنون الأدبية استيعاباً وشمولاً لشتى الموضوعات، فموضوعات كالتضخم النقدي، والعلاج بالليزر وأزمة الغذاء وارتفاع معدل الحرارة عالمياً ، لا يمكن معالجتها في قصة أو مسرحية أو حتى شعراً، ولكن المقالة وحدها تتقبل مثل هذه الموضوعات؛ وكلمة “معالجة سريعة” في التعريف تعني أن كاتب المقالة، يقوم بتحويل المادة العلمية الجافة إلى لغة علمية متأدبة، يسجل من خلالها تأملات، و تصورات أو مشاهدات تغلب عليها العفوية والسرعة؛ فلو كانت المعالجة موضوعية متأنية ودقيقة صارمة فجمعت الحقائق، وفحصت وصنفت، واعتمد على الإحصاء والتجربة والمتابعة، لعُدَّ هذا العمل بحثاً علمياً، وليس مقالة أدبية .
هذا يقودنا إلى ضرورة توضيح عناصر المقالة الأساسية و التي هي المادة والأسلوب والخطة . فالمادة هي مجموعة الأفكار ، والآراء ، والحقائق ، والمعارف والنظريات ، والتأملات، والتصورات ، والمشاهد ، والتجارب والأحاسيس ، والمشاعر ، والخبرات التي تنطوي عليها المقالة ، ويجب أن تكون المادة واضحة ، لا لبس فيها ولا غموض ، وأن تكون صحيحة أما الأسلوب فهو الصياغة اللغوية ، والأدبية لمادة المقالة ، أو هو القالب الأدبي الذي تصب فيه أفكارها ، ومع أن الكتَّاب تختلف أساليبهم ، بحسب تنوع ثقافاتهم ، وتباين أمزجتهم ، وتعدد طرائق تفكيرهم ، وتفاوتهم في قدراتهم التعبيرية ، وأساليبهم التصويرية ، ومع ذلك فلا بد من حدٍّ أدنى من الخصائص الأسلوبية ، حتى يصح انتماء المقالة إلى فنون الأدب . فلا بد في أسلوب المقالة من الوضوح لقصد الإفهام ، والقوة لقصد التأثير ، والجمال لقصد الإمتاع ، فالوضوح في التفكير ، يفضي إلى الوضوح في التعبير ، ومعرفة الفروق الدقيقة ، بين المترادفات ثم استعمال الكلمة ذات المعنى الدقيق في مكانها المناسب، والأسلوب يجب أن يمتاز بالقوة، والقوة في الأسلوب سبب في قوة التأثير ، فقد يسهم الأسلوب في إحداث القناعة ، لكن قوة الأسلوب تحدث ” موقفاً ” وتأتي قوة الأسلوب من حيوية الأفكار ، ودقتها ، ومتانة الجمل ، وروعتها ، وكذلك تسهم في قوة الأسلوب الكلمات الموحية ، والعبارات الغنية ، والصورة الرائعة والتقديم والتأخير ، والإيجاز والإطناب ، والخبر والإنشاء ، والتأكيد والإسناد ، والفصل الوصل أما الجمال في الأسلوب فأنها من أجل المتعة الأدبية الخالصة ، وحينما يملك الكاتب الذوق الأدبي المرهف والأذن الموسيقية ، والقدرات البيانية ، يستطيع أن يتحاشى الكلمات الخشنة والجمل المتنافرة ، والجرس الرتيب ، وحينما يوائم بين الألفاظ والمعاني ويستوحي من خياله الصورة المعبرة ، يكون أسلوبه جميلاً . أما العنصر الثالث من عناصر المقالة فهي الخطة؛ ويسميها البعض المنهج العقلي الذي تسير عليه المقالة ، فإذا اجتمعت للكاتب أفكارٌ وآراء يريد بسطها للقراء ، وكان له من الأسلوب ما يستطيع أن تشرق فيه معانيه ، وجب ألا يهجم على الموضوع من غير أن يهيئ الخطة التي يدفع في سبيلها موضوعه . والخطة تتألف من مقدمة ، وعرض ، وخاتمة ، والمقدمة هي المدخل وتمهيد لعرض آراء الكاتب ، ويجب أن تكون أفكار المقدمة بديهية مسلماً بها ، ولا تحتاج إلى برهان ، وأن تكون شديدة الاتصال بالموضوع وأن تكون موجزة ، ومركزة ومشرقة . وأما العرض ، فهو صلب الموضوع ، وهو الأصل في المقالة ، وفيه تعرض أفكار الكاتب عرضاً صحيحاً ، وافياً متوازناً ، مترابطاً متسلسلاً ويُستحسن أن يمهد الكاتب لكل فكرة ، ويربطها بسابقتها ، ويذكر أهميتها ويشرحها ، ويعللها ، ويوازنها مع غيرها ، ويذكر أصلها وتطورها ويدعمها بشاهد أدبي ، أو تاريخي ، ويُفضل أن تُعرض كل فكرة رئيسة في فقرة مستقلة . والخاتمة تلخص النتائج التي توصل إليها الكاتب في العرض، ويجب أن تكون واضحة، صريحة وحازمة .
أما المقالة العلمية فيعرفها أهل الاختصاص على أنها “هي المقالة التي تعالج موضوعا علميا أو حقيقة علمية بقصد خدمة المعرفة والاهتمام بالفكرة دون الصورة الأدبية أو الفنية، مستندة في ذلك إلى العقل والمنطق دون العاطفة والخيال وبأسلوب واضح ومحدد وبألفاظ دقيقة دالة وبعبارات سهلة واضحة بعيدة عن التأنق والزينة؛ أهدافها تبسيط الحقائق العلمية، وتيسير نقلها إلى الجمهور “ يقول قدري طوقان في أحد كتاباته ” الشمس أقرب نجم إلينا، وتقدر المسافة بثلاثة وتسعين مليوناً من الأميال، فلو سار قطار إليها بسرعة خمسين ميلاً في الساعة لوصلها في مائتين وعشرين سنة، والأمواج اللاسلكية، التي تدور حول الأرض سبع مرات في ثانية واحدة، هذه الأمواج لو أرسلت إلى الشمس لوصلها في ثماني دقائق وربع، ولو أرسلت إلى أقرب نجم إلينا بعد الشمس لوصلته في أربع سنين ونصف ” هنا نلاحظ أسلوب المقالة العلمية المباشر الذي يعتمد على الدقة في استخدام الألفاظ، والسهولة في صوغ العبارات، والبعد عن التأنق والزينة ولا تلبس المقالة العلمية من الأدب إلا أرق ثوب .
من هذا يتبين لنا أن أسلوب الصحافة العلمية وهو الأسلوب العلمي المتأدب يستعين بالصور والعبارات الموحية وببعض الصور الخيالية والوصف الشائق الجذاب للتخفيف من جفاف المادة العلمية، بينما الأسلوب العلمي البحت في الكتابة يستند إلى العقل والمنطق والبرهان والتجربة بشكل صارم. ومن عوامل النجاح في كتابة المقالة رهافة الحسّ, وسلامة الذوق, وسعة المعرفة الثقافية, ولانفتاح على الجديد؛ ذلك أن توافر هذه الصفات مدعاة لالتقاط الموضوعات المهمة, التي تسترعي انتباه القراء على اختلاف ثقافاتهم. وهذا ليس بالأمر اليسير؛ لأن فهم نفسية القارئ, واختيار ما يثيره كمادةً للمقالة بحاجة إلى الذوق سليم, وللأحاسيس المرهفة, وكذلك لثقافة متنوعة تقودك إلى التنوع في طرح القضايا و إلى الحُسن في عرض المواضيع ومعالجتها.
في النهاية أقول إن الشخص الأكاديمي يفترض أن يكون إنسان قارئ ومثقف وواعي، وله منهج ورؤية في العمل والحياة، وقد يكون قد أعتاد كتابة أوراق العمل و التقارير والرسائل وغيرها من الكتابات الوظيفية، وهذا قد يضعه على بداية الطريق في تجربة كتابة المقالة والتي هي نوع من أنواع الكتابات الإبداعية، والتي تحتاج للتجربة والتعلُم والمران أساساً وتساعدها الموهبة؛ هذه الموهبة قد تكون في داخلك ولكن لا تشعر بها، لأنك لم تمسك القلم يوماً وتمارس الكتابة، أو أن الموهبة قد تكون تائهة منك وسط زحمة الحياة، أو مغمورة تحت ظروف ضغوط العمل اليومية؛ أن الكتابة عمل جميل وخلاق تحلق فيه روح الإنسان بحثاً عن الحقيقة، تحتاج منا للهدوء والاسترخاء والصبر للوصول لمرحلة من الاتصال بين ذات الإنسان، وعوالم مطلقة من طلاقة قدرة الله في الكون، هنا يستطيع الإنسان أن يقدم العمل الحقيقي المبدع، وأقول أن لكل البشر أفكار جميلة، لكن هذه الأفكار تحتاج إلى منهج لصياغة الأفكار بلغة واضحة وسهلة؛ وأقول أيضاً كما قال الجاحظ قديماً ” أن الأفكار ملقاة على قارعة الطريق لكل الناس، لكن العبرة بطريقة التعبير عن الفكرة”.
هناك أسطور لطيفة تشاع بين المسلمين عن تيل ارمسترونج أول من صعد القمر .
تقول الأسطورة : أنة حين حطت قدمه الأولى على سطح القمر نمت إلي سمعه أصوات ,لكنة لم يفهمها ,ثم لما زار مصر بعد ذلك ببضعة اشهر ,سمع أصوات المؤذنين من المآذن,فسال عن معناها ,فقيل له إنها :الآذان ,تقول الله اكبر الله اكبر اشهد أن لا آلة إلا الله , حينها اخبرهم ارمسترونج ,أن هذه الأصوات هي التي سمعها على سطح القمر وأعلن أسلامة.
إي ا ن اول شخص حطت قدمه على سطح القمر ,كان مسلما !احتفل الغرب العام الماضي بالذكرى الأربعين للهبوط على سطح القمر بينما ظل الشرق صامتا الأمر الذي دفع عبد المنعم سعيد مدير مركز القاهر ة إلي طرح سؤال ناقد للذات حول سر عدم اهتمام العالم العربي بهذه القفزة العملاقة للإنسان ورد بقولة لان العالم العربي المسلم يفتقر إلي تلك العقلية البحثية التي قادت الفضول العلمي إلي القيام برحلات علمية ثم افترض قائلا لم يصل العرب القمر ولن يصلوا أبدا لان تفكيرهم يدور حول البحث عن اليقين بينما جوهر الفكر العلمي يقوم على الشك وحين تتوقف حضارة عن طرح الأسئلة والشك في جدارة الواقع وتتوقف عن النظر إلي العالم على أنة قابل للتغير من خلال التقدم العلمي والتقني فإنها آنذاك تفتقد لمبررات وجودها وتغدو عرضه لغزو حضارات أخرى مهتمة بالعقلية البحثية .
ثغرة في التفكير :
عبد المنعم سعيد ليس المستغيث الوحيد فها هو الفيلسوف الفلسطيني رئيس جامعة القدس ساري نسيبة يقول مشكلتنا ليست فراغا علميا نحن نعاني من فراغ في التفكير ومؤخرا كتب باول سالم مدير مركز كارنيجي –الشرق الأوسط في بيروت أكثر ما يتميز به الغرب هو أكثر ما يحتاجه العالم العربي ألا وهو التعليم فالمعركة من اجل مستقبل العالم الإسلامي لن تحسم في ساحة الوغى و إنما في الفصول الدراسية .
ما سبب هذا الجمود العلمي الإسلامي بعد عصور الازدهار التي شهدها في بغداد في القرن الحادي عشر ثم في الأندلس في القرنيين الثاني عشر والثالث عشر ؟
إنه تساؤل غير بري لان كثيرا من المؤرخين –وليس المسلمون فقط يرجعون سبب التراجع الواضح للنهضة العلمية الإسلامية إلي تلك العملية الاستشراقية سيئة الصيت التي عبر عنها ارنست رنان في محاضرة له بجامعة السوربون سنة 1883بقولة الإسلام في الواقع يتبع المنهج العلمي الدقيق والفلسفة لكنة في النهاية خنقها .
تتجلى هنا غطرسة سافرة لتاريخ كتبة منتصرون يسقطون أنموذج تطورهم على ثقافات أخرى ثم ينتقون ما قاد إلي العلم والتقنية في العصر الحديث .
أسلمة العلم :
المسلمون أيضا ليسوا منزهين عن التقليد فالمفكر الإسلامي الذي نشا في خضم الحضارة في القرن التاسع عشر جمال الدين الأفغاني كان يؤمن بثلاث نقاط الأولى العلم والتقنية بحد ذاتهما ضمان للتقدم العلمي ولابد للعرب من اجل مواصلة الماضي العريق وبناء السلطة هذا ثانيا وثالثا أن ذلك ليس تقليدا ولا استيرادا وإنما استعاده لإرث شرعي من التاريخ .
هذه النقاط الثلاث هي التي تحدد حتى يومنا هذا فهم المسلمين للعلم وعلى أساسها تناقش الشريحة المثقفة منذ الثمانينات فكرة أسلمة العلم .
ثم عنونة تقرير التنمية البشرية 2003م باسم بناء مجتمع المعرفة وهو شعار يعني ليس محاكاة الغرب وإنما شق طريق خاص لكن كيف يمكن أن يكون هذا الطريق الخاص فهذا ما يثار جدل بشأنه بين المثقفين المسلمين وانتهاج طريق خاص قد يفضي إلي طرق خاطئة .
ليس بدون تفويض الهي :
القران بحسب المفهوم التقليدي يحوي كل العلم الذي انزله الله على النبي ومن ثم إلي الناس وبالتالي ليسوا بحاجة إلي البحث عما هو جديد وإنما حسن تفسير القديم فالقران في نظر عدد ليس بالقليل من المسلمين بوابة المعرفة العلمية الحديثة وعلى عكس ما هو سائد في الغرب من اعتبار العلم بديلا عن الدين فان المسلمين يرون في الدين بديلا عن العلم مستشهدين بآيات قرآنية جاء العلم الحديث ليؤيدها زاعمين بان الآيات سبقت العلم الحديث إلي تلك المعلومات .
ولسخرية القدر أن الغرب حقق الريادة هنا أيضا فالطبيب الفرنسي موريك بوكلية ألف في السبعينيات كتابا حظي باهتمام واسع في الدوائر الإسلامية بعنوان الإنجيل والقران والعلم سرد فيه بطريقة وصفية عدد كبيرا من الآيات القرآنية. مثلا: تعتبر بداية الآية التالية أمرا إلهيا لغزو الفضاء (يا معشر الجن والأنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فا نفذوا لا تنفذون إلا بسلطان"
صحيفة دربوند السويسرية بالألمانية ترجمة محمود سعيد -سبأ