الأحد، 16 أكتوبر 2016

آمال مصادم الهدرونات الكبير تتبدد

إليزابيث جيبني
كان من الممكن للتلميحات المشيرة إلى جسيم غير متوقع ـ تم الكشف عنه بواسطة مصادم الهدرونات الكبير (LHC) ـ أن تمثل علامة بدء عهد جديد في فيزياء الجسيمات، بيد أن أحدث البيانات قد محت أي آمال بترسيخها مع مرور الوقت. واتضح أن البروز الذي ظهر في رسوم البيانات، والذي ذُكر لأول مرة في ديسمبر الماضي، ما هو إلا تذبذب إحصائي.

قام ممثلون عن التجربتين ATLAS، وCMS المستقلتين في مصادم الهدرونات الكبير ـ وهو جزء من المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات بمنظمة «سيرن» CERN ـ بإعلان الخبر في المؤتمر الدولي لفيزياء الطاقة العالية (ICHEP) في شيكاغو بإلينوي في الخامس من أغسطس الماضي. شملت التحليلات ما يقرب من خمسة أضعاف كمية البيانات المستخدَمة في شهر ديسمبر، وظهر أن الإشارة قد تضاءلت، حتى انعدمت تمامًا تقريبًا.
كانت تجربة CMS (في الصورة) واحدة من تجربتين في مصادم الهدرونات الكبير، رأتا لمحات لجسيم لم يكن متوقَّعًا.

"لا توجد أي زيادة ملحوظة في بيانات 2016"، هذا ما قاله برونو لينزي، وهو فيزيائي يعمل ضمن تجربة ATLAS في مختبر «سيرن» ـ الواقع بالقرب من جنيف في سويسرا ـ في لقاء مكتمِل الحضور في المؤتمر الدولي لفيزياء الطاقة العالية.

وتقول كيارا روفيلي، فيزيائية بالمعهد القومي للفيزياء النووية في روما، إن البيانات الإضافية الصادرة عن تجربة CMS فشلت أيضًا في إصدار أي إشارات ذات أهمية.

كان الإعلان بمثابة خيبة أمل للباحثين، لكنه لم يكن بعيدًا عن التوقعات. ففي التحديث السابق لفريق تجربة ATLAS في شهر يونيو الماضي، ضُبطت دلالة الإشارة عند 2.1 سيجما، وهي بمثابة مقياس لاحتمالات أن تؤدي التذبذبات العشوائية إلى ظهور مثل هذا البروز في رسم البيانات، دون وجود جسيم. وكان ذلك أقل بكثير من حد الـ5 سيجما المطلوب لتحديد ما إذا كانت الإشارة تمثل اكتشافًا، أم أنها مجرد تشويش.

ظهرت الإشارة في كل من التجربتين ATLA، وCMS بشكل مستقل، مكوَّنةً من أزواج فوتونات أكثر عددًا من المتوقع، بمجموع طاقة يبلغ 750 جيجا إلكترون فولت، وهو ما أعطى الفيزيائيين بعض الأمل بأنّ ما ظهر من بروز في رسوم البيانات كان له مدلول حقيقي؛ فأصدر باحثون من جميع أنحاء العالم أكثر من 500 ورقة بحثية، في محاولة لشرح الجسيم المحتمل.

تقول تارا شيرز، عالمة مختصة بفيزياء الجسيمات بجامعة ليفربول في المملكة المتحدة: "إن رؤية لمحة من شيء ما ـ حتى وإنْ كانت لمحة ناقصة تجعلك تحبس أنفاسك للحظة، وتتساءل «ماذا لو..؟» ـ لها أهمية كبيرة لا يمكن أن تُترك دون استكشاف".



قصة البروز الظاهر
كان الدافع وراء الحماس الحذِر المثار هو المردود المحتمَل للبروز الذي ظهر، حسب قول دون لينكولن، الفيزيائي بمختبر فيرمي الوطني لتسريع الجزيئات، بالقرب من باتافيا في إلينوي. إنّ النموذج القياسي غير مكتمل، إذ يفشل في تفسير ألغاز معينة، مثل لغز المادة المظلمة، ولا يمكنه التوفيق بين ميكانيكا الكَمّ، والجاذبية. وكان من شأن ظهور جسيم جديد أن يوجِّه الفيزيائيين نحو نظرية بديلة، على حد قول لينكولن.

كانت الإشارة مغرية؛ فالتحليل الذي نتجت عنه دقيق وبسيط نسبيًّا، كما يقول كريستوفر بيتيرسون، فيزيائي نظري بجامعة تشالمرز للتكنولوجيا في جوتنبرج في السويد. وباتت مسألة كون الجسيم شبيهًا أثقل وزنًا بجسيم بوزون هيجز أمرًا مغريًا أيضًا، حسب قول جيدو تونيلي، الفيزيائي بجامعة بيزا في إيطاليا، والرئيس السابق لتجربة CMS.

ورغم أن جميع النماذج تُعتبر الآن خاطئة، إلا أن محاولة تفسير البروز الذي ظهر في البيانات كانت أمرًا ممتعًا ومفيدًا، حسب قول بيترسون. ويقول لينكولن إن الذبذبات الإحصائية والاكتشافات تبدو في البداية متطابقة. ودائمًا ما تكون مثل تلك المصادفات ممكنة عند أداء آلاف الأبحاث على جسيمات بنطاق واسع من الكتل. وقد حدثت من قبل، وعلى الأرجح سوف تحدث مرة ثانية، كما يقول.



إلى الأمام
ومن جانبه، يقول بيترسون إن هذا الإنذار الخاطئ لا يؤثر على فرص مصادم الهدرونات الكبير في العثور على شيء آخر. وفي الوقت الراهن، يَسري العمل بالتجارب هناك كالمعتاد، بيد أنه لا يزال يلوح بعض القلق في الأفق، إذ إنه بعد مرور 40 عامًا على وضع النموذج القياسي، لم تعثر مسرعات الجسيمات ـ بما فيها مصادم الهدرونات الكبير ـ على أي شيء أبعد من ذلك.

يقول جاي ويلكينسون ـ الفيزيائي بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة ـ إن عدم انبثاق أي شيء مفاجئ من بيانات المصادم أمر غريب. ويحفِّز ذلك قلقًا متزايدًا في المجتمع.. فمع مرور الوقت، دون العثور على شيء جديد، يقل احتمال أن تكون إصدارات التناظر الفائق الأكثر إغراءً صحيحة، وهي التي يمكن القول إنها أكثر الطرق الواعدة لمدّ النموذج القياسي.

ويرى بيترسون أن فرص عثور مصادم الهدرونات الكبير على شيء جديد في العام الحالي والعام المقبل تزداد، بينما تقترب طاقة عمل المصادم من حدّها الأعلى، البالغ 14 تيرا إلكترون فولت. وإذا كانت الجسيمات الجديدة نادرة، أو إذا كانت تتحلل بطرق يصعب رصدها، فقد يستغرق ظهورها بعض الوقت، حسب قوله.

وتقول شيرز إن هناك طرقًا أخرى أيضًا للعثور على جسيمات جديدة. فمع توافر بيانات كافية، يمكن للجسيمات الثقيلة جدًّا ـ التي يصعب إنتاجها مباشرة ـ أن تُظْهِر نفسها عن طريق إحداث تأثيرات دقيقة على الجسيمات المعروفة جيدًا. وقد عثر فيزيائيون يعملون ضمن تجربة LHCb ـ التي تتم في المصادم أيضًا ـ على إشارات كتلك؛ لكنهم بحاجة إلى مزيد من المعلومات لتأكيدها.

يقول تونيلي: "نحن موقنون بالفعل مِن أنه عاجلًا أو آجلًا سينجح أحد هذه الأشياء غير العادية في أن ينجو من جميع تجارب التحكم.. وفجأة سيتغير كل شيء". ويضيف: "تكمن روعة ما نفعله في احتمال أن يحدث ذلك في أي وقت".

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2016

أسباب تلف بطاريات الطاقة الشمسية

أسباب تلف البطاريات الطاقة الشمسية 
نطلعكم اليوم على على شيء مهم عن الطاقة الشمسية.
هذا الجزء من المنظومة الشمسية هو أهم وأثمن شيء في المنظومة الشمسية،وبسبب قلة التوعية والمفاهيم الخاطئة المتداولة عنه تؤدي إلى تلفها سريعا . 
هذا الموضوع هو خاص عن بطاريات الطاقة الشمسية.
هذا الموضوع ممكن ان تطبقه وتفحص بطاريتك هل هي تعاني من سوء استخدام أو لا وبدون الحاجه إلى مهندس .
فقد وجت أنه سبب تلف أغلب البطاريات هو ليس خلل مصنعي أو غش من قبل التجار.
صدقونا بكل بساطه هو سوء استخدام من قبل المستهلكين.
إذا أخذت في عين الاعتبار كل الارشادات في هذا المقال سوف تجعل بطارية الطاقة الشمسة بكل انواعها تدوم معك لأكثر من سنتين .
للتوضيح فإنه تقريبا كل البطاريات وبكل أنوعها الموجودة في السوق هي حديثة التصنيع بسبب الطلب الهائل عليها.
إليكم هذا الأسباب التي تؤدي الى دمار البطاريات :
تلف بطاريات الطاقة الشمسية 
#السبب الأول هو عدم شحن البطارية جيدا وتفريغها جيدا (اي تفريغها لحد 11فولت )،فمثلا في أيام المنخفض الجوي أو الضباب تكون التعبئة للبطارية ضعيفة ويستمر سوء التعبئه لعدة أيام أو عدة أسابيع مما يؤدي إلى دخول البطارية حالة الأكسدة الزائدة فتتلف خلايا البطارية بسبب الأكسدة أو تقل كفاءة البطارية على نحو سيء.
لتجنب الوقوع في هذا الخطأ يجب الإقتصاد لأقصىحد في أيام الضباب أو المنخفضات الجوية، وجعل البطارية تتعبأ على الأقل 80% وقت النهار. 
#ثانيا :هو سحب التيار العالي من البطاريات وهذا أنا أسميه القاتل الخفي للبطاريات وخصوصا بطاريات الجل لأنه من عيوبها عند إعطاء تيار لحظي عالي يؤدي إلى تخفيض عمرها الافتراضي على نحو سئ جدا.
لذالك من لديه ثلاجة منزلية طولها متر ونصف يحتاج على الأقل بطاريتين أبو 100 أمبير لتشغيلها وفي وقت النهار ،
مع العلم أن بطاريات الجل صممت للتفريغ البطيء والعميق فهي لاتتحمل التفريغ السريع ،
أما بطاريات ال AGM فهي الأفضل من ناحية سرعة التفريغ .لكن عمرها أقل من بطاريات الجل (من ناحية عدد دورات التفريغ وعمقها).
#ثالثا: الشحن الزائد للبطارية (over charge)والذي يحدث في العادة بسسب توصيل البطاريات رأسا وبدون منظم الشحن أو بسبب أن المنظم يؤخر فصل الشحن عند امتلاء البطارية ،
مما يؤدي الى سخونة وفوران في البطارية يؤدي إلى انقاص عمرها الافتراضي .وقد يؤدي إلى تلفها في بعض الحالات.
ولتعرف أن البطارية دخلت حالة الشحن الزائد هو سماع فوران وارتفاع في درجة الحرارة عند لمسها،
والحل لهذه المشكلة يحتاج الى انقاص جهد الفصل للمنظم عن 13.8 فولت الى جهد أقل ثم نراقب البطارية إلى ان تستقر درجة حرارة البطارية مثل درجة حرارة الجو المحيط بها.
يجب أن يعرف الجميع أن كل أنواع بطاريات الطاقة الشمسية تتأثر على نحو سيء عند ارتفاع درجة حرارتها وخصوصا بطاريات الجل .
#رابعا: الهبوط الحاد لجهد البطارية بسبب توصيل الأحمال عليها مباشرة وبدون منظم ,
لذلك يجب توصيل الإضاءة وشواحن التلفونات عبر خرج المنظم وليس من البطاريات رأسا . 
وقد يحصل الهبوط الحاد لجهد البطارية بسبب العاكس (الإنفرتر) لأن بعض الإنفرترات ممكن تعمل حتى جهد 10فولت .
لذلك عزيزي المستخدم يجب عليك مراقبة جهد البطارية من المنظم ويجب عليك عدم انقاص جهدها عن 11فولت مهما كانت الظروف .
#خامسا : عدم الصيانة الدورية للبطارية (سيتم انزال منشور على صفحتي في الفيس بوك عن طرق صيانة البطاريات لنظام 12ونظام 24فولت ومعلومات مهمة عن إصلاح البطاريات قريبا).
#سادسا: وضع البطاريات بشكل خاطئ وفي مكان خاطئ ,
الوضع الصحيح للبطارية هو أن تكون مستوية واحذر أن تكون بطاريتك في وضع مائل أو غير صحيح ،للتأكد من وضعية بطاريتك اكتب موديلها في جوجل وسوف يظهر لك وضعها السليم . 
أما بالنسبة للمكان فيجب وضع بطاريتك في مكان لايسخن بسسب الشمس وذا تهوئة جيدة . والأفضل أن تزيل الكرتون من البطارية بعد شرائها وتركيبها.
#سابعا : عند شراء البطارية وهي جديدة يجب شحنها لمدة لاتقل عن 5ساعات حيث أن هذا الإجراء يزيد من العمر الإفتراضي للبطارية.
#ثامنا: يجب أن تكون الألواح مكافئة لسعة البطارية فمثلا البطارية سعة 100أمبير تحتاج 200الى 300 وات من الألواح .
تاسعا: احذروا من التيار العالي لشحن البطارية فعندما تأخذ بطاريتك لصاحب البطاريات كي يشحنها فأنه يقوم في العادة بشحنها بتيار عالي يؤدي الى انقاص عمرها الإفتراضي بشكل كبير ،وأيضا الشواحن التي تعمل بالكهرباء يجب ضبط تيار الشحن بما يتناسب مع سعة البطارية.
فمثلا البطارية أبو 100امبير أعلى تيار شحن لها هو 20 أمبير كحد أقصى وكلما كان تيار الشحن أقل كان أفضل وصحي للبطارية.
بشكل عام ممكن القول أنه يجب أن لايزيد تيار الشحن عن 20%من سعة البطاريات.
#عاشرا :بعض البطاريات تعاني من الإنتفاخ فيجب التأكد من أن البطارية لاتسخن أثناء الشحن لأن السخونه تؤدي إلى تمدد البلاستيك الحاوي للمكونات الأساسية للبطارية وهناك سبب آخر لإنتفاخ البطارية هو تسدد الثقوب الموجوده في أغطية البطاريات حيث أن غاز الهيدروجين ينبعث وبكميات قليية من بطاريات الطاقة الشمسية ويخرج عبر ثقوب التهوئة الموجودة في البطاريات.
ملاحظات :
#يجب أن يعرف الجميع أن كل بطاريات الطاقه الشمسية عمرها الافتراضي لا يقل عن سنتين وممكن أن يصل إلى ثلاث سنوات أو أكثر بشرط استخدامها بشكل سليم وبالطريقة المثلى .
#تتميز بطاريات الطاقة الشمسية عن بطاريات الأسيت أن دورة التفريغ فيها قد تصل الى 70%من سعة البطارية بينما بطاريات الأسيت فإن دورة التفريغ فيها لاتتجاوز 40%.
#من الأفضل للبطارية أن تبقى مشحونة مش ضروري ما تنام إلا وقد كملتها.
#يحدد العمر الإفتراضي للبطاريات بالدورات (cycles)وفي الأغلب يكون بين 400الى 1200دورة ،(انظر إلى الصورة المرفقة للتوضيح)
#وتحسب الدوره للبطارية عندما يتم تفريغها من 13فولت إلى 11فولت .
فمثلا بطارية لونج ممكن تعمل1000دوره إي مايعادل 3سنوات إذا تم تفريعها من 13 الى 12فولت 
وستعمل 600 دوره اذا تم تفريغها من 13 الى 11،5 فولت 
وستعمل 400 دوره إذا تم تفريغها من 13إلى 11 فولت 
وستعمل 200 دوره إذا تم تفريغها لحد،10.5 فولت 
وستعمل 50 دوره اذا تم تفريغها لحد 10 فولت 
وستعمل لمدة اسبوع إذا تم تفريغها لأقل من 10فولت.
وقس على ذلك بقية البطاريات الخاصة بالطاقة الشمسية مع العلم أنه بعض البطاريات قد تتحمل سوء الإستخدام والإنخفاض الحاد في فولتيتها ولكن في الأخير تتلف وبسرعة .
#يجب أن يتعلم الجميع الإقتصاد قدر المستطاع عند استخدام الطاقة الشمسية وذلك للحفاظ على أهم مكون من مكوناتها وهو البطارية،
#كلمة أخيره عن البطاريات 
البطارية هي عبارة عن عالم من التفاعلات الكيميائية المتزنة ويجب أن تبقى هذه التفاعلات في حالة اتزان وبتطبيقك للتعليمات في هذا المنشور ومشاركته للآخرين بهدف التوعية ستساهم في حل مشكلة يعاني منها الكثير من الناس .
اعداد م / عبدالعزيز الهتاري
مهندس مختصص في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
منقوول من رسالة واتس أب مرسلة من الصديق العزيز الدكتور خالد القصوص.

السبت، 17 سبتمبر 2016

أجمل العقول في عالم الفيزياء

أجمل العقول في عالم الفيزياء
"ايمي نويزر"، واحدة من هذه العقول الجميلة، وهي عالمة رياضيات في الأساس، ولكنها صاحبة إسهام ضخم في علم الفيزياء الحديث، فهي أول من فسر وجود قوانين لحفظ طاقة أو كمية حركة أو غيرها من الكميات الفيزيائية. وقد ظل الفيزيائيون قبل إيمي نويزر يعتقدون بحتمية قانون حفظ الطاقة من دون فهم السبب. ثم جاءت نويزر لتزيح الستار عن أحد أعمق المفاهيم في الفيزياء، وهو أن التماثل هو سبب حدوث قانون الحفظ.
والتماثل هنا إذا كان زمانيًّا فإنه يؤدي إلى حفظ الطاقة، وإذا كان مكانيًّا فإنه يؤدي إلى حفظ كمية الحركة، وإذا كان مداريًّا فإنه يؤدي إلى حفظ كمية الحركة الزاوية... هذا المبدأ العميق الذي أرسته العالمة الفذة إيمي نويزر كان قاعدة الأساس التي انطلق منها العلماء <عبد السلام ووينبيرج وجلاشوه> في بناء النموذج القياسي لتوحيد القوى الطبيعية، والذي كان سببًا لحصولهم على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979. ونتيجة لعُمق إسهاماتها في علم الفيزياء بنظريات رياضية متسقة تمامًا وصفها <أينشتين> بأنها أكثر رياضية عبقرية ومبدعة عرفها منذ بداية دخول الإناث لمتابعة تعليمهن على المستوى الجامعي.
ولم تكن إيمي نويزر هي المرأة الوحيدة التي حفرت اسمها في عالم الفيزياء بحروف من نور! فنجد إلى جانب اسم إيمي، اسمًا لا يقل عنه أهمية، وهي "ليزا راندال"، الأستاذة بجامعة هارفارد.
"ليزا راندال"، هي الأخرى، تعد أول سيدة في تاريخ جامعة هارفارد تحصل على درجة أستاذ دائم بقسم الفيزياء، وكان ذلك في عام 2001، وذلك منذ تاريخ إنشاء الجامعة عام 1636. وكان هذا نتيجة لقيامها بصياغة نموذج فيزيائي يقدم حلًّا أصيلًا لمشكلة التدرج في الفيزياء... هذه المشكلة التي تعرف بأن هناك تفاوتًا كبيرًا للغاية في الشدة بين قوى الجاذبية وقوى الكهرومغناطيسية والقوى النووية الضعيفة والقوى النووية القوية.
ولمَن لا يعرف، فقد ظلت هذه المشكلة «معضلة» بالنسبة للعلماء، ولم يستطع أي منهم إيجاد إطار توحيدي للقوى الطبيعية بتوحيد شدتها، إذ إن شدة قوة الجاذبية تعتبر ضعيفة تمامًا بالنسبة للقوى الطبيعية الأخرى... ثم جاءت العالمة ليزا راندال وتمكنت بالتعاون مع العالم رامان سندروم، من صياغة نموذج فيزيائي يقترح وجود أبعاد أكثر من الأربعة المعروفة (الطول والعرض والارتفاع والزمن)؛ إذ تمكنا من تفسير أن هذه الأبعاد الإضافية لا يُشعر بها سوى قوة الجاذبية؛ لأنها قوة مرتبطة بتشيكل الزمان والمكان كما اقترح أينشتين في نسبيته العامة، لذلك بوجود أبعاد إضافية تكون الجاذبية هي القوة التي تستطيع أن تتسرب في هذه الأبعاد الإضافية، بما يعني وجود قوى الجاذبية في أكثر من أربعة أبعاد، بينما توجد القوى الطبيعية الأخرى في أربعة أبعاد فقط، وهذا يفسر لنا سبب ضعف قوة الجاذبية بالنسبة للقوى الطبيعية الأخرى، وبذلك يتم شرح مشكلة التفاوت الكبير بين شدة القوى الطبيعية المختلفة.
ولكن ذلك يستدعي هنا السؤال: أين هي هذه الأبعاد الإضافية؟ لقد أجابت ليزا راندال ومعها رامان سندروم عن هذا السؤال بأن الأبعاد الإضافية يتم انبعاجها على نفسها عند المسافات القصيرة، مما يعني أننا نحتاج إلى طاقة عالية للغاية حتى يتم جسها وقياس تأثيرها، ومثال ذلك: إذا رأيت أنبوبًا من بعيد فإنك تراه كخط واحد ذي بُعد واحد، أما النملة التي تمشي على نفس الأنبوب فإنها تُرى بأبعادها بالكامل... فحتى يمكنك أن ترى الأنبوب يجب أن تقترب أو تقلل المسافة الفاصلة بينك وبينه، وهذا ما يُعرف في الفيزياء "بزيادة الطاقة". تلك الفكرة البديعة الأصيلة وغيرها من الأبحاث المهمة، جعلت من ليزا راندال واحدة من أهم الفيزيائيين في العقدين الماضيين.
ومن خلال هذين النموذجين، يتضح أن المرأة إذا أسهمت في علم فإن إسهاماتها تتسم بالجمال والإبداع والسحر أيضًا. وكم أتمنى أن تقرأ الباحثات العربيات أكثر عن إسهامات المرأة في علم الفيزياء، فربما تتمكن واحدة أو أكثر منهن أن تصل إلى مكانة إيمي نويزر أو ليزا راندال.
أحمد فرج علي

السبت، 3 سبتمبر 2016

تجربة الفكر


لقد قطعنا شوطا طويلاً، إبتداء من عمق الذرة ووصولا للأفق الكوني، ومن بداية الوقت إلى المستقبل البعيد، حسنا!، لنجري تجربة بسيطة، هذه التجربة لا تتطلب منك مختبرا، ويمكنك تأديتها برأسك وتسمى ب"تجربة الفكر".

إختر نجمة (أي نجمة من آلاف مليارات النجوم الموجودة في مجرتنا درب التبانة التي ما هي إلا مجرة واحدة من بين مليارات المجرات في الكون المعروف). تلك النجمة - التي إخترتها - تدور حولها عشرات الكواكب والأقمار، إفترض أن أصنافا ذكية تقطن إحدى هذه الكواكب، هناك صنفا من العشرة مليون صنف على ذلك الكوكب، وهناك مجموعة فرعية من ذلك الصنف يؤمنون أنهم إكتشفوا كل شيئ وأن عالمهم هو مركز الكون، وأن الكون خلق لهم، وأنهم يعرفون كل شيئ يريدون معرفته، وأن معرفتهم كاملة، كم تأخذ إدعائهم هذا على محمل الجد؟!





لا بأس بعدم معرفة جميع الإجابات، من الأفضل الإعتراف بجهلنا، بدلاً من تصديق إجابات خاطئة، فالتظاهر بمعرفة كل شيئ، يغلق باب معرفة ما يكون هناك بحق. ليست أي فكرة صحيحة فقط لمجرد أن أحدهم قال ذلك ( بما في ذلك أنا) فكر بنفسك، إسأل نفسك!...لا تصدق شيئاً فقط لأنك تريد ذلك وحسب،لأن مجرد تصديقك لا يجعله حقيقة، إختبر أفكاراً بدليل كسبته من المراقبة والتجربة، إتبع الدليل أينما يقودك، وإن لم يكن لديك دليل فلا تتسرع بالحكم، وربما أفضل قاعدة قط هي "تذكر!..فربما تكون مخطئاً" فحتى جميع العلماء العظام على مر التاريخ - نيوتن وآينشتاين - إرتكبوا أخطاء، وهذا طبيعي لأنهم بشر.
العلم ما هو إلا طريقة متاحة لنا لتمكننا من أن نكف عن خداع أنفسنا وخداع بعضنا البعض، هل عرف العلماء الخطيئة؟ بالطبع!..فقط أسئنا إستغلال العلم، مثلما نسيئ إستخدام أي أداة بين أيدينا، ولهذا لا ينبغي أن يظل العلم أداة متاحة بيد أقلية قوية، فكلما أصبح العلم متاحاً للجميع، كلما قلت فرص إساءة استخدامه.
هذه القيم تقلل من التطرف والجهل، وفي نهاية المطاف، فمعظم الكون مظلم منقط بجزر مضيئة صغيرة، فعندما نعرف عمر الشمس وعمر الأرض والمسافة بين النجوم والكواكب وكيف تعمل وتتكيف الحياة، ما الجدوى والفارق الذي يشكله لنا معرفة كل هذا؟...جزء من الإجابة على هذا السؤال يعتمد على حجم الكون الذي تريد العيش فيه، فبعضنا يفضله صغيراً، لا بأس بذلك!.. ولكني أحبه كبيراً، وعندما أستوعب ذلك بعقلي وقلبي، فهو يرفع معنوياتي، وعندما أريد الإحساس بذلك الشعور، فأريد التأكد أنه حقيقي وليس مجرد أمر يحدث داخل راسي، لأن الحقيقة مهمة، وتخيلنا يظل لا شيئ مقارنة بواقع الطبيعة الرائعة.
لذلك أود معرفة ماذا بداخل هذه الأماكن المظلمة؟ وما الذي حدث قبل الإنفجار الكبير؟ أريد معرفة ماذا يوجد وراء الأفق الكوني وكيف بدأت الحياة؟ وهل هناك أماكن أخرى في الكون حيث الطاقة والمادة نشطة وحية؟ أريد معرفة أجدادي جميعهم، وأريد أن أكون رابطا قويا في سلسلة الأجيال.
نحن وجميع المخلوقات على هذا الكوكب، وبتاريخنا من التطور لمليارات السنين، إن أحببنا الطبيعة كما هي، فسنكون حلقة وصل قوية تفخر بها سلسة الأجيال القادمة، وتساعد أحفادنا في إكتشاف ما لم يخطر ببالنا نحن.
نيل تيسون 
عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي
من وثائقي cosmos الحلقة الأخيرة.
 

الاثنين، 1 أغسطس 2016

نظام الطاقة الشمسية

الواح طاقة شمسية 

محول الانفرتر وعاكس

الانفرتر ومحول عاكس



محول من الالواح الى الطاقة الشمسية 

الأحد، 24 يوليو 2016

لماذا يؤمن علماء الرياضيات بوجود الله أكثر من بقية العلماء

 عمرو فاروق - ساسة بوست

تكررت في القرآن إشارة مُحَّيرة – إن صح فهمي لها – فهي تنفي ما هو شائع في اعتبار «الرياضيات» آلة معرفية لا تخطئ.

«وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا» النحل ١٨

لأول وهلة قد نفهم من الآية أن النعم أكثر من قدرتنا على العد، ولكن بالرغم من هذا فالآية لم تنف قدرتنا على العد أصلًا.

على العكس، أقر الله لنا بالعد، ثم نفى الإحصاء؟

عندما أراد القران نفي قدرات الإنسان فعل ذلك بشكلٍ مباشر، وقد نفت آيات أخرى العديد من القدرات، مثل نفي القدرة على الخلق، أو الإحاطة العلمية، أو النفاذ من أقطار الكون، ولكن هذه الآية لم تحاول أن تنفي قدرتنا على العد أصلًا. فكيف يقر القرآن القدرة على العد، ثم ينفي الإحصاء في جملة واحدة؟

الأمر ليس مجرد تعبير مجازي لتعظيم النعم؛ فالمقارنة بين العد والإحصاء تكررت خمس مرات في القرآن، ومع اختلاف المعدود ظلت الإشارة ثابتة: اختلاف وجاهة العد عن الإحصاء.

أي دارس للإحصاء يعرف تمامًا أن الإحصاء هو عبارة عن عد الأشياء، وتلخيصها حسابيًا، فكيف يعترف القرآن بوجاهة الإحصاء نفسه كمنتج معرفي في إحدى عشرة آية مختلفة، ثم لا يسبغ نفس الوجاهة على المنهج الرياضي العددي اللازم لإنتاجه؟

وإن لم يكن الإحصاء رقميًا بالضرورة، فما هو أكثر وجاهة من الأرقام؟

فنحن نعلم أن أعلى يقين علمي هو اليقين الرياضي، و لكن ما هو مصدر هذا اليقين الرياضي؟

عندما تتساءل لماذا يثق العلماء في معظم التخصصات في تعميمات نتائج تجاربهم، بالرغم من أنهم أجروا التجربة على عينة قد تكون مختلفة تمامًا عن الواقع، يردون بشكل قاطع أن التعميم في جوهره عملية رياضية.

ولسبب ما اتفق العلماء أن ما أثبت رياضيًا فهو صحيح، بل إن هذا الإيمان شاع حتى صار مثلًا «إن لغة الأرقام لا تكذب»،

ولكن لماذا؟

وهل علماء الرياضيات أنفسهم يشاركون بقية العلماء في هذا الإيمان الكامل في الرياضيات؟

هل الأرقام حقيقية فعلًا؟

يشرح « دكتور جوناثان تالنت في حواره الرائع » حول طبيعة الأرقام، أنه ليس هناك لغةٌ واحدة للأرقام، بل عدة لغات «عدة مدارس فلسفية». وللأسف لا توجد لغة رياضية واحدة لا تكذب. فلو اعتبرنا الرياضيات لغة، فإن الأرقام هي أبجدياتها، فالاختلاف بين اللغات ليس اختلاف لهجات أو ألفاظ، بل اختلاف جذري على مستوي الأبجدية نفسها، فإلى الآن لم يتفق الرياضيون أصلًا على تعريف موضوعي لماهية الأرقام نفسها.

وهي بالفعل مهمة صعبة؛ فالأعداد نفسها ليس لها وجود فيزيائي في الطبيعة يمكن استخدامه كمرجع لتوحيد ما نقصده. فكيف ندعي أن الأعداد نفسها لها مصداقية؟ أو أنها تعبير موضوعي عن المعدود؟ ما الذي يجعلنا نعتقد أن الأعداد أكثر موضوعية من الأسماء مثلًا؟

فالألوان مثلًا لها وجود مستقل؛ حينما نقول إن هذه السيارة حمراء نستطيع أن نتحقق سويًا من لونها، ولكن عندما نقول نفس المعنى بالأرقام، وأنها تعكس ترددًأ موجيًا ٧٠٠ فهذا أمر لا نراه، وتصديق معظمنا له هو إيمان محض، فأيهم أصدق لفظة: «أحمر» أم رقم «٧٠٠»؟

والسؤال الأهم هل الرقم له معنى حقيقي؟

هل تحديد اللون في شكل رقمي أضاف لنا يقينًا ما أو معلومة جديدة؟

هناك ثلاث إجابات مختلفة على هذا السؤال: فهي إما أن الأعداد لها وجود حقيقي ومستقل بالفعل ونحن ندرك وجودها. أو أنها مجرد وصف كمي للموجودات، وبالتالي لا تختلف في موضوعاتها عن الأسماء والصفات. أو أن الأرقام ليس لها وجود حقيقي أصلا خارج خيال الرياضيين، ويمكن أن نستخدمها بشكل إبداعي أو الاستغناء عنها تمامًا حسبما شئنا، ولكننا إلى الآن لم تستطع أي من هذه الاجابات أن تحسم النقاش.

اعتقدت المدرسة الأفلاطونية أن الأرقام حقيقية، بمعنى أن لها وجود مستقل عن المعدود، ولكن بما أنها غير موجودة بشكل مادي، فهذا يعني أن الأرقام لها وجود «ميتافيزيقي». فأنت مثلًا تستطيع التعامل مع الأرقام ٢ *٥ = ١٠ بدون الحاجة لأن تتساءل ما الاثنان أو عشرة من ماذا؟ بل تستطيع إدراك الأرقام واستخدامها بحالتها المجردة، وبشكل مستقل تمامًا عن الواقع المادي. كثير من كبار الرياضيين المعاصرين، مثل «باول ايردوس وكور تغودل وروجربنروز» يعتنقون هذا الفهم الأفلاطوني؛ لأنه ببساطة هو الفهم الوحيد الذي يدعي أن الأرقام حقيقية. ولكن كثيرين اختلفوا معهم ، فادعاء الطبيعة الميتافيزيقية للأرقام ليس مجرد كلام فلسفي نظري، بل له تكلفته العملية. فمعنى هذا أن الرياضيات نفسها عبارة عن علم حدسي، وليس منطقيًا، وبالتالي فقد يصح القبول بسلوك رياضي غير منطقي، وبهذا تبدأ الرياضيات في افتراش مساحة مائعة من التبريرات الحدسية، وتزيد مساحة تقاطعها مع الفلسفة.

مشكلة أخرى هي أنه لو كانت الأرقام لها وجود حقيقي، فهذا معناه أن الرياضيات دورها لا يتعدى اكتشاف الواقع الرقمي، وليس ابتكاره. وبغض النظر عن الجدل الفلسفي، فعلى أرض الواقع يؤدي هذا التصور إلى إهدار جانب كبير من الرياضيات الحالية. فالإثباتات الرياضية يجب أن يقتصر اشتقاقها من أشياء لها وجود حقيقي، مثل الأشكال الهندسية. وبالتالي، فكثير من مفاهيم الرياضة البحتة (١) التي نستخدمها اليوم ستصبح غير صحيحة، بل كثيرًا ما يؤدي التداعي المنطقي بالرياضيين من هذه المدرسة أن يؤمنوا أن الوجود نفسه مبني من الأرقام (بالمعني الحرفي للبناء).

ولكن المشكلة الرئيسة في هذه المدرسة تظل في أننا إذا ادعينا أننا ندرك الأرقام بشكل حقيقي وصحيح وموضوعي. فمعناه أننا ندعي أننا أصبحنا ندرك الوجود الميتافيزيقي بشكل حقيقي وصحيح وموضوعي. وهو أمر يتنافى مع التصور المادي التقليدي، ويتنافى أيضًا مع الفهم السائد في الأديان الذي ينفي قدرة الإنسان على إدراك الماهيات الميتافيزيقية أو كمال العلم بأي موجودات، بل إنه يتناقض مع مدرسة أفلاطون نفسها، والتي تستبعد قدرة الإنسان على بلوغ ما هو ميتافيزيقي بشكل موضوعي.

الأرقام كوصف مادي: ما هي القيمة التي يشير لها الرقم؟

لذا فقد بدأ الرياضيون المسلمون وتبعهم الغربيون في تطوير الرياضيات التقليدية (المدرسة الاسمية). وهو تصور مادي صرف على النقيض التام من التصور الميتافيزيقي، فاعتبروا أن الأرقام مجرد تعبير عن الأشياء المعدودة؛ فأنت تُعلِم الأطفال الأرقام باستخدام الأشياء «هذا قلم، وهذا قلم آخر، الآن معنا قلمان»، وبالتالي فنحن عندما نعد، فنحن نعد الأشياء لا الأفكار المجردة. وبالتالي لا وجود حقيقي للأرقام مستقلًا عن الأشياء، بل هي لا تتعدي خواص كمية للوجود. وهذا التصور، وإن كان يبدوا لأول وهلة منطقيًا، الا أن فيه العديد من المشاكل. فهناك أعداد غير مرتبطة بأي شيء فيزيائي مثل الأرقام المعقدة والأرقام التخيلية، وكذلك ستصبح الـ«pi» أو الـ«ط» (وهي مجرد تعبير رقمي عن استدارة الدائرة) غير صحيحة؛ إذ إنها لا ترتبط بوجود مادي.

مشكلة أخرى في ربط وجود الأرقام بالأشياء هي أن كثيرًا من الأرقام ليس لها قيم دقيقة، بل تقريبية، فالواقع أصلًا سائل متصل ومتواصل (Continuous)، بينما الأرقام نقاط جامدة منفصلة (Discrete). ولذا فهي ليست تعبيرًا دقيقًا عن الواقع المادي أصلًا. فإذا قلت لك إن درجة الحرارة اليوم في لندن ١٨، فهي تعبير غير صحيح عن درجة الحرارة؛ لأننا اعتبرنا أن اليوم هو وحدة متجانسة ومنفصلة عن اليوم الذي يليه. بينما الواقع المادي متدرج ومتصل؛ فاليوم قد تسود فيه درجة حرارة ٥ في أغلب أوقاته ودرجة ١٨ لن تكاد تراها في أغلب اليوم، وبالتالي فأنا أعطيتك معلومة غير صحيحة. فشل الأرقام في وصف الواقع المادي يرجع في جوهره لسيولة الواقع وجمود الأرقام؛ فأنت تعتبر أن هناك نقطة اسمها ١٠ سنتيمتر، بينما في الواقع هي مساحة شاسعة من التغير لا تكاد توجد فيها نقطة واحدة يمكن تسميتها صدقًا بـ ١٠. لهذا فلكي نصمم نموذجًا هندسيًا دقيقًا نستخدم أدوات رياضية سائلة (٢) والتي تحاكي تراكم الواقع المادي فتعطينا نتائج أكثر دقة من استخدام النظم التقليدية الجامدة (٣).

فمساحة كبيرة من الأرقام ليس لها قيم محددة، بل قيم تقريبية. فمثلًا ٢٢/٧ تساوي ٣.١٤ وإن أردت الاستزادة من الأرقام العشرية فقد تعني ٣.١٤٢٨٥٧١…. إلى ما لا نهاية، فلا يمكنك تحديد الرقم، ولكن تقريبه. وبالتالي فحين يقوم جهاز بعملية حسابية ما، مثل القسمة أو الجزر أو «اللوغاريتم»…إلخ، فعليه أن يتخذ في كل مرة قرارًا: إلى أي مدى يجب أن يقرب بدون أن يضر بالمستخدم. بالإضافة إلى أن التعبيرات الرياضية نفسها ليس لها معنى واحد، فالجزر التربيعي لـ ٢ لا يوجد له قيمة ثابتة، بل هناك عدد من الطرق لحسابه وكل طريقة لها ناتج مختلف عن الأخرى. وبالتي عملية حسابية ببساطة، جزر ٢ قد تنتج قيمتين مختلفين على آلتين مختلفين.

لذلك، فعندما نصمم منتجًا هندسيًا نحصل على دقة عالية من التصميم المعتمد على تموج المكونات الهندسية أو الميكانيكية بشكل سائل باستخدام كتلتها وخواصها المادية والتي لا تحتاج إلى تقريب، بينما لو أعدنا إنتاج نفس هذا التصميم بشكل «ديجيتال» ستقل دقته بمقدار تقريبه للأرقام. لهذا لا يزال بعض المصورين يفضلون استخدام الكاميرات ذات الأفلام على الكاميرات الديجيتال، وكذلك مازال الكثير من «استوديوهات» الصوتيات تستخدم الأجهزة «الأنالوج»؛ لأنها تتعامل مع الصوت الحقيقي، لا مع تقريب رقمي منه.

مرة أخري هذا الاختلاف، ليس اختلافًا بسيطًا؛ لأن تعاقب العمليات الرياضية قد يؤدي إلى تراكم الأخطاء البسيطة وتضخيمها بشكل متسارع (٤). لهذا ففشل المصمم في التنبؤ بها قد يسبب فشلًا كاملًا للمنتج الهندسي. فمثلًا سنة ١٩٩٦ تسبب تراكم أخطاء التقريب في تحطم صاروخ لوكالة الفضاء الأوروبية بعد ٣٧ ثانية من انطلاقه.

كذلك، في حرب العراق تراكمت أخطاء التقريب في نظام الدفاع الجوي الأمريكي، وبعد ١٠٠ ساعة من التشغيل تضخم الخطأ حتى أصبح يحدد مواقع الصواريخ العراقية بخطأ مقداره ثلث ثانية، وهي مدة كانت كافية تمامًا للصواريخ العراقية أن تتفادي أسلحة الدفاع، وتصيب أهدافها، وتدمر ثكنات الجيش الأمريكي، فتقتل ٢٨ أمريكي راحوا ضحية للتقريب العددي.

بالمثل ففي السيارات الحديثة، والتي تتحكم إلكترونيا في حقن الوقود إلى المحرك، تقوم وحدة إلكترونية بأخذ قرار بضخ كمية معينة من البنزين؛ بحيث يتناسب مع كمية الهواء داخل المحرك. وهي تتخذ هذا القرار باستخدام معادلة رياضية. إلا أن صحة الرياضيات هنا تقتصر على التقريب، ومهما زادت الدقة فلا بد لاستخدام الأرقام من قدر ما من التقريب مما يجعل هناك دائمًا خطأ ما. ولو اعتبرنا الخطأ في حدود١ على مليون من اللتر في كل دورة. فكل ما يتطلب الأمر هو عدة ساعات من استعمال السيارة؛ حتى يصل معدل الخطأ إلى إفشال المحرك تمامًا. لذا فإحدى أساسيات التصميم لوحدات التحكم الإلكتروني هو حساب خطأ التقريب وتعديل ناتج المعادلة بصفة مستمرة؛ حتى تتفادى تراكم الأخطاء الحسابية (برجاء مراجعة المصادر في الروابط الموجودة في الفقرة).

أحد المشاكل الكبيرة أيضًا هي أننا إذا اعتمدنا التفسير المادي للرياضة التقليدية فيجب علينا أن نتخلى عن الأرقام المعقدة والتخيلية. وهي أرقام لا تصف أصلا أي موجودات حقيقية، ولا حتى منطقية. فبينما نعلم التلاميذ مثلًا أنه لا يوجد جذر تربيعي لأي رقم سالب (لأن الإشارة السالبة تختفي عندما نضرب رقمًا في نفسه) تقوم الأرقام التخيلية على افتراض قيمة ما لهذا الجذر. هذه الأرقام التخيلية ليست مجرد رياضة ذهنية للأذكياء، بل إن لها تطبيقات عملية مثلت فتوحات علمية في مجال معالجة الصور على الكومبيوتر، ومعالجة الصوت، وتطوير الاتصالات والنظم الديناميكية، بل وفي النسبية، وفي فيزياء الكم أيضًا.

لهذا فالمدرسة التقليدية في الرياضيات لا تستطيع أن تبرر لم علينا أن نثق في الأرقام أكثر مما نثق في الأوصاف الاسمية. فهي أيضًا تعبيرات تقريبية، جامدة. تحاول احتواء واقع سائل ليس بالضرورة ماديًا ولا منطقيًا. لذا فهي تنجح أحيانًا وتفشل أخرى. وأفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تفسح المجال للتعبيرات الرياضية الديناميكية. وهي بمثابة الأفعال في اللغة، بينما الأرقام بمثابة الأسماء الجامدة.

الأرقام كقصة مفيدة ولكن غير حقيقية

التطويرات الحديثة المتسارعة في استخدامات الأرقام المعقدة والتخيلية أعادت من جديد فتح ملف المدرسة الثالثة، وهي مدرسة القصص. وهي تقول إن الأرقام غير حقيقية أصلًا، بل هي مجرد حكايات خيالية مفيدة. فلكي تكون الأرقام حقيقية يجب أن يكون لها وجود مستقل عما تقيسه، وهذا يستلزم أن تكون الأرقام نفسها موجودة بشكل مستقل، إما ميتافيزيقي (وهو ما يرفضوه)، وإما لها وجود مادي وهو أمر غير واقع، فبالتالي لا يمكن أن يكون للأرقام وجود حقيقي. وهذه المدرسة لا تعترف بصحة الأرقام، بالرغم من النجاح التطبيقي للأرقام. فالنجاح التطبيقي ليس دليلًا كافيًا على الصحة. كمثال قصة الراعي الصغير الذي يستصرخ الناس لإنقاذ غنمه من الذئب، ثم يستهزئ بهم، وانتهى الأمر بأن هاجمه ذئب بالفعل، فلم ينجده أحد. هي قصة ـ تربويًا ـ مفيدة، ومن أنجح القصص في تعليم فائدة الصدق؛ لذا نجدها في كل الثقافات الإنسانية، ولكن نجاحها هذا لا يعني أنها حقيقية.

لهذا ترى مدرسة القصص انه يمكننا ـ متى شئنا ـ أن نطور رياضيات بقواعد جديدة تمامًا. فعلى سبيل المثال قام هارت ريفيلد سنة ١٩٨٠ بضرب مثال على الرياضيات القصصية؛ فأعاد إنتاج قواعد «الميكانيكا الكلاسيكية» لـ«نيوتن» باستخدام رياضيات ليس بها أرقام أصلًا. فأعطى مثالًا أثار جدلًا علميًا كبيرًا على أن الرياضيات يمكنها حتى أن تستغني عن الأرقام نفسها. وبالرغم من أن هذه المدرسة واجهت كثيرًا من الرفض؛ لأنها تنفي الواقع العددي، وهو ما لا يستسيغه عموم المجتمع العلمي، إلا أنه لم يستطع أحد إخراجها من النقاش؛ لأنها هي اللاعب الوحيد في مساحة الرياضيات المعقدة والتخيلية.

إيمانًا كإيمان العجائز وعلماء الرياضيات

لم تستطع أي مدرسة من الثلاثة أن تعطي تفسيرًا مقبولًا لما علينا أن نثق في الأرقام أكثر من الأسماء، ولا حتى استطاعت إحداها ادعاء يقين قاطع ودقيق في كل منتجاتها المعرفية، وجل ما تستطيع هو تحديد وتحييد معدل الخطأ.  لهذا فاليقين لدى علماء الرياضيات يقين عملي، وليس يقينًا نظريًا مطلقًا.

يقين يتعامل مع الطبيعة غير الجازمة وغير الشاملة للأرقام، يقين يضع في الحسبان تفوق اليقين الفيزيائي على اليقين النظري. هذه النظرة المعترفة بالنطاق العملي للمعرفة، والتي ترى أكثر من غيرها المعرفة البشرية بقصورها المادي والمنطقي والعملي تضع عالم الرياضيات، أكثر من غيره، في مواجهة الواقع الميتافيزيقي للوجود، وتضطره إلى أن يأخذ موقفًا حاسمًا وأكثر استقطابًا، إما بقبول الدين، والوجود الميتافيزيقي بشكل قاطع كأمر منطقي مسلم به، أو برفضه بشكل قاطع، والمغالاة في تصور الحياة والإنسان والأخلاق كمنتج مادي بحت. فتقل مساحة غير الحاسمين لموقفهم أو ذوي الأيديولوجيات الوسطية فيهم. ولعل هذا الاستقطاب هو ما يجعل علماء الرياضيات أكثر العلماء تدينًا، ووجود أقل نسبة ملحدين بينهم. فقد وجدت الأبحاث أنه، على عكس الشائع؛ ففي خلال المائة سنة الماضية لم يحدث تغيير يذكر في نسبة العلماء الذين ألحدوا (٤٢٪ مؤمنين ٤٢٪ ملحدين ١٦٪ غير ملحدين ولكن لا ينتسبون لدين)، وبينما يبني معظم العلماء الملحدين وجهة نظرهم على الدليل الرياضي نجد أن علماء الرياضيات أنفسهم  أقل العلماء ثقة عمياء بالرياضيات، وأكثر العلماء إيمانًا بوجود الله (برجاء مراجعة المصدرين في هذه الفقرة).

ونعود مرة أخرى للسؤال الذي بدأنا به: كيف أقر الله لنا بالعد، ثم نفى الإحصاء؟

القران يشير في خمسة مواضع للإحصاء كمنتج معرفي غير رياضي. أي أن الإحصاء في التعبير القرآني يشمل المعرفة غير العددية! وهذا يتوافق تمامًا مع الرياضيات المعاصرة، ففي مختلف المدارس نجد أن اليقين الذي توفره الرياضيات هو يقين كيفي لا يعنى كثيرًا بالعدد نفسه، ولكن بالمعدود. فالإحصاء لا يوفر معرفة وجيهة إن كان يقتصر على حصر الأعداد وتلخيصها، بل وجاهته تأتي من قدرته على وصف المعدود. هذه القدرة قد تأتي من الوصف اللفظي، أو الرقمي أو الإحاطة الحسية المباشرة إن كان هذا ممكنًا. فالإحصاء هو حزمة من الأوصاف التي تعبر عن الموصوف. وبالتالي فكلما زادت هذه الحزمة تفصيلًا وتنوعًا ودقة، زادت وجاهة الإحصاء، وزاد عمقه وزادت قدرته استدعاءً لحقيقة الموصوف.

سننتقل في المقال المقبل إلى الواقع العملي لدى الاقتصاديين؛ لنستكشف كيف يؤثر قصور الأعداد كمخازن غير محكمة للقيمة في إنتاج معرفة إحصائية قاصرة بالمعدود. وفي النهاية سنعود لزيارة التفاسير القرآنية لمقارنة اليقين الإحصائي الرياضي بالمفهوم الإحصائي القرآني.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1)        Non-existential numbers such as: irrational numbers, complex numbers, imaginary numbers. And mathematical constructs with non-existential proofs, such as: proof by mathematical induction, non-constructive proofs.

(2) مثل التكامل والديناميكا

(3)        مثل البرمجة الخطية والرياضيات المنفصلة Discrete mathematics.

(4) In case there are systematic errors that cause feedback.


(5)        Average rpm = 2000 rpm error per round 1/million d/dt total error = standard estimation * (1-error) ^ number of rounds.