السبت، 3 سبتمبر، 2016

تجربة الفكر


لقد قطعنا شوطا طويلاً، إبتداء من عمق الذرة ووصولا للأفق الكوني، ومن بداية الوقت إلى المستقبل البعيد، حسنا!، لنجري تجربة بسيطة، هذه التجربة لا تتطلب منك مختبرا، ويمكنك تأديتها برأسك وتسمى ب"تجربة الفكر".

إختر نجمة (أي نجمة من آلاف مليارات النجوم الموجودة في مجرتنا درب التبانة التي ما هي إلا مجرة واحدة من بين مليارات المجرات في الكون المعروف). تلك النجمة - التي إخترتها - تدور حولها عشرات الكواكب والأقمار، إفترض أن أصنافا ذكية تقطن إحدى هذه الكواكب، هناك صنفا من العشرة مليون صنف على ذلك الكوكب، وهناك مجموعة فرعية من ذلك الصنف يؤمنون أنهم إكتشفوا كل شيئ وأن عالمهم هو مركز الكون، وأن الكون خلق لهم، وأنهم يعرفون كل شيئ يريدون معرفته، وأن معرفتهم كاملة، كم تأخذ إدعائهم هذا على محمل الجد؟!





لا بأس بعدم معرفة جميع الإجابات، من الأفضل الإعتراف بجهلنا، بدلاً من تصديق إجابات خاطئة، فالتظاهر بمعرفة كل شيئ، يغلق باب معرفة ما يكون هناك بحق. ليست أي فكرة صحيحة فقط لمجرد أن أحدهم قال ذلك ( بما في ذلك أنا) فكر بنفسك، إسأل نفسك!...لا تصدق شيئاً فقط لأنك تريد ذلك وحسب،لأن مجرد تصديقك لا يجعله حقيقة، إختبر أفكاراً بدليل كسبته من المراقبة والتجربة، إتبع الدليل أينما يقودك، وإن لم يكن لديك دليل فلا تتسرع بالحكم، وربما أفضل قاعدة قط هي "تذكر!..فربما تكون مخطئاً" فحتى جميع العلماء العظام على مر التاريخ - نيوتن وآينشتاين - إرتكبوا أخطاء، وهذا طبيعي لأنهم بشر.
العلم ما هو إلا طريقة متاحة لنا لتمكننا من أن نكف عن خداع أنفسنا وخداع بعضنا البعض، هل عرف العلماء الخطيئة؟ بالطبع!..فقط أسئنا إستغلال العلم، مثلما نسيئ إستخدام أي أداة بين أيدينا، ولهذا لا ينبغي أن يظل العلم أداة متاحة بيد أقلية قوية، فكلما أصبح العلم متاحاً للجميع، كلما قلت فرص إساءة استخدامه.
هذه القيم تقلل من التطرف والجهل، وفي نهاية المطاف، فمعظم الكون مظلم منقط بجزر مضيئة صغيرة، فعندما نعرف عمر الشمس وعمر الأرض والمسافة بين النجوم والكواكب وكيف تعمل وتتكيف الحياة، ما الجدوى والفارق الذي يشكله لنا معرفة كل هذا؟...جزء من الإجابة على هذا السؤال يعتمد على حجم الكون الذي تريد العيش فيه، فبعضنا يفضله صغيراً، لا بأس بذلك!.. ولكني أحبه كبيراً، وعندما أستوعب ذلك بعقلي وقلبي، فهو يرفع معنوياتي، وعندما أريد الإحساس بذلك الشعور، فأريد التأكد أنه حقيقي وليس مجرد أمر يحدث داخل راسي، لأن الحقيقة مهمة، وتخيلنا يظل لا شيئ مقارنة بواقع الطبيعة الرائعة.
لذلك أود معرفة ماذا بداخل هذه الأماكن المظلمة؟ وما الذي حدث قبل الإنفجار الكبير؟ أريد معرفة ماذا يوجد وراء الأفق الكوني وكيف بدأت الحياة؟ وهل هناك أماكن أخرى في الكون حيث الطاقة والمادة نشطة وحية؟ أريد معرفة أجدادي جميعهم، وأريد أن أكون رابطا قويا في سلسلة الأجيال.
نحن وجميع المخلوقات على هذا الكوكب، وبتاريخنا من التطور لمليارات السنين، إن أحببنا الطبيعة كما هي، فسنكون حلقة وصل قوية تفخر بها سلسة الأجيال القادمة، وتساعد أحفادنا في إكتشاف ما لم يخطر ببالنا نحن.
نيل تيسون 
عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي
من وثائقي cosmos الحلقة الأخيرة.
 

ليست هناك تعليقات: