السبت، 17 سبتمبر، 2016

أجمل العقول في عالم الفيزياء

أجمل العقول في عالم الفيزياء
"ايمي نويزر"، واحدة من هذه العقول الجميلة، وهي عالمة رياضيات في الأساس، ولكنها صاحبة إسهام ضخم في علم الفيزياء الحديث، فهي أول من فسر وجود قوانين لحفظ طاقة أو كمية حركة أو غيرها من الكميات الفيزيائية. وقد ظل الفيزيائيون قبل إيمي نويزر يعتقدون بحتمية قانون حفظ الطاقة من دون فهم السبب. ثم جاءت نويزر لتزيح الستار عن أحد أعمق المفاهيم في الفيزياء، وهو أن التماثل هو سبب حدوث قانون الحفظ.
والتماثل هنا إذا كان زمانيًّا فإنه يؤدي إلى حفظ الطاقة، وإذا كان مكانيًّا فإنه يؤدي إلى حفظ كمية الحركة، وإذا كان مداريًّا فإنه يؤدي إلى حفظ كمية الحركة الزاوية... هذا المبدأ العميق الذي أرسته العالمة الفذة إيمي نويزر كان قاعدة الأساس التي انطلق منها العلماء <عبد السلام ووينبيرج وجلاشوه> في بناء النموذج القياسي لتوحيد القوى الطبيعية، والذي كان سببًا لحصولهم على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979. ونتيجة لعُمق إسهاماتها في علم الفيزياء بنظريات رياضية متسقة تمامًا وصفها <أينشتين> بأنها أكثر رياضية عبقرية ومبدعة عرفها منذ بداية دخول الإناث لمتابعة تعليمهن على المستوى الجامعي.
ولم تكن إيمي نويزر هي المرأة الوحيدة التي حفرت اسمها في عالم الفيزياء بحروف من نور! فنجد إلى جانب اسم إيمي، اسمًا لا يقل عنه أهمية، وهي "ليزا راندال"، الأستاذة بجامعة هارفارد.
"ليزا راندال"، هي الأخرى، تعد أول سيدة في تاريخ جامعة هارفارد تحصل على درجة أستاذ دائم بقسم الفيزياء، وكان ذلك في عام 2001، وذلك منذ تاريخ إنشاء الجامعة عام 1636. وكان هذا نتيجة لقيامها بصياغة نموذج فيزيائي يقدم حلًّا أصيلًا لمشكلة التدرج في الفيزياء... هذه المشكلة التي تعرف بأن هناك تفاوتًا كبيرًا للغاية في الشدة بين قوى الجاذبية وقوى الكهرومغناطيسية والقوى النووية الضعيفة والقوى النووية القوية.
ولمَن لا يعرف، فقد ظلت هذه المشكلة «معضلة» بالنسبة للعلماء، ولم يستطع أي منهم إيجاد إطار توحيدي للقوى الطبيعية بتوحيد شدتها، إذ إن شدة قوة الجاذبية تعتبر ضعيفة تمامًا بالنسبة للقوى الطبيعية الأخرى... ثم جاءت العالمة ليزا راندال وتمكنت بالتعاون مع العالم رامان سندروم، من صياغة نموذج فيزيائي يقترح وجود أبعاد أكثر من الأربعة المعروفة (الطول والعرض والارتفاع والزمن)؛ إذ تمكنا من تفسير أن هذه الأبعاد الإضافية لا يُشعر بها سوى قوة الجاذبية؛ لأنها قوة مرتبطة بتشيكل الزمان والمكان كما اقترح أينشتين في نسبيته العامة، لذلك بوجود أبعاد إضافية تكون الجاذبية هي القوة التي تستطيع أن تتسرب في هذه الأبعاد الإضافية، بما يعني وجود قوى الجاذبية في أكثر من أربعة أبعاد، بينما توجد القوى الطبيعية الأخرى في أربعة أبعاد فقط، وهذا يفسر لنا سبب ضعف قوة الجاذبية بالنسبة للقوى الطبيعية الأخرى، وبذلك يتم شرح مشكلة التفاوت الكبير بين شدة القوى الطبيعية المختلفة.
ولكن ذلك يستدعي هنا السؤال: أين هي هذه الأبعاد الإضافية؟ لقد أجابت ليزا راندال ومعها رامان سندروم عن هذا السؤال بأن الأبعاد الإضافية يتم انبعاجها على نفسها عند المسافات القصيرة، مما يعني أننا نحتاج إلى طاقة عالية للغاية حتى يتم جسها وقياس تأثيرها، ومثال ذلك: إذا رأيت أنبوبًا من بعيد فإنك تراه كخط واحد ذي بُعد واحد، أما النملة التي تمشي على نفس الأنبوب فإنها تُرى بأبعادها بالكامل... فحتى يمكنك أن ترى الأنبوب يجب أن تقترب أو تقلل المسافة الفاصلة بينك وبينه، وهذا ما يُعرف في الفيزياء "بزيادة الطاقة". تلك الفكرة البديعة الأصيلة وغيرها من الأبحاث المهمة، جعلت من ليزا راندال واحدة من أهم الفيزيائيين في العقدين الماضيين.
ومن خلال هذين النموذجين، يتضح أن المرأة إذا أسهمت في علم فإن إسهاماتها تتسم بالجمال والإبداع والسحر أيضًا. وكم أتمنى أن تقرأ الباحثات العربيات أكثر عن إسهامات المرأة في علم الفيزياء، فربما تتمكن واحدة أو أكثر منهن أن تصل إلى مكانة إيمي نويزر أو ليزا راندال.
أحمد فرج علي

ليست هناك تعليقات: