الثلاثاء، 29 أكتوبر 2013

ثورة الجرافين.. سحر القوة والسرعة

عمر الحياني                              
                                                         نشر في موقع الجزيرة الحقوق محفوظة لقناة الجزيرة 

كأرفع وأقوى مادة متناهية الصغر, بهرت مادة الجرافين العالم بخصائصها وقدراتها الفيزيائية, وبمستقبلها الواعد في صناعة أشباه الموصلات والمعالجات, في ظل استنفاد القدرات الفيزيائية لمادة السليكون بعد تربعها لعقود من الزمن على صناعة المعالجات والخلايا الإلكترونية.

مادة الجرافين تعد بمستقبل باهر في صناعة أشباه الموصلات والمعالجات (الأوروبية)
فاليوم يقترب العلماء أكثر من أي وقت مضى نحو الاتجاه النهائي لصناعة المعالجات من مادة الجرافين, التي تتميز بخصائص ومواصفات فريدة في الجانب الإلكتروني والميكانيكي.

وقد اعتبر الجرافين المادة المدهشة للقرن الـ21, فذرات الجرافين تمتع بقوة تفوق أي مادة أخرى بمستوى رقتها وقدرتها على توصيل الكهرباء (مرور الإلكترونيات دون مقاومة ) مع ميزة السماح بنفاذ الحرارة والضوء عبر خلاياها, وهو ما فتح أمام العالم مستقبلا مشرقا في صناعة المعالجات والخلايا الإلكترونية.

تطبيقات الجرافين

وتتوالى تطبيقات الجرافين الصناعية، فبعد نجاح العلماء في تصنيع الخلايا الشمسية الدقيقة التي تحول الطاقة الشمسية إلي تيار كهربائي فإن التطبيقات المختلفة لمادة الجرافين سوف تلعب دوراً مهماً في صناعة الهواتف النقالة المستقبلية وأجهزة تسجيل الموسيقى والمعالجات، والمفاتيح الكهربائية الدقيقة جداً وشاشات اللمس وصناعة الطائرات والسيارات والأقمار الصناعية, وتغليف المواد الغذائية, وكذلك سد الفراغات في المواد النانوية.

إلى جانب ذلك تلمح بعض الدراسات إلى إمكانية استخدام الجرافين في تطوير بعض المواد من خلال إضافة الجرافين إلى مادة البلاستيك بنسبة 1% مما يزيد من قوتها وصلابتها ويرفع قدرتها على تحمل درجات حرارة عالية مما يفتح مجالات واسعة أمام استخدام هذا النوع من المواد النانوية المطورة في العديد من التطبيقات المثيرة.

استخدامات الجرافين لن تبقى محصورة في المعالجات والخلايا الإلكترونية بل ستمتد إلى تقنيات أخرى كالاتصالات والتصوير والكشف الموجي والكشف عن الأسلحة، والبيولوجيا للكشف عن متتاليات الحمض النووي وذلك لأن جميع هذه التطبيقات تتطلب سرعة فائقة في المعالجات.

فالباحثون في معهد جورجيا للتكنولوجيا يسعون لإنشاء هياكل وتراكيب مصغرة من خلال دمج خصائص الجرافين والسليكون، مع تحسين قدرة المعالجات بإضافة مواد رقيقة وعازلة للكهرباء.

وقد لفت الجرافين الانتباه بعد قيام العالميْن من أصل روسي أندريه جيم وكوستانتسن نوفوسيلوف -وكلاهما من جامعة مانشستر ببريطانيا- بنشر بحثهما عن الجرافين في مجلة العلوم الأميركية مجلد 306 أكتوبر/تشرين الأول 2004 عندما اكتشفا الخصائص الفيزيائية الكمية لمادة الجرافين خلال تجاربهما المعملية, ونجاحهما في إنتاج وعزل وتحديد وتوصيف ذرات الجرافين وإثبات إمكانية صناعة معالجات الحاسوب والأجهزة الإلكترونية منها.

فبعد انتظار طويل انبهرت نوبل بفضل عملهما الطليعي ومنحتهما جائزتها في الفيزياء لعام 2010 تقديرا لجهودهما في اكتشاف الخصائص الفيزيائية لمادة الجرافين. وُيعد هذا الاكتشاف بمثابة فتح باب أمام اكتشافات جديدة لتلك المادة الكربونية، فخصائصها الفريدة لازالت تغري الكثير من العلماء والباحثين في سبر أغوارها.

نوفوسيلوف خلال تلقيه جائزة نوبل في الفيزياء عام 2010 (أسوشيتد برس-أرشيف)
يقول جيم الفائز بجائزة نوبل بالفيزياء لعام 2010 "إن الجرافين بمثابة الرحمة للفيزيائي لأنه من الناحية النظرية يمكنه من خلال ذرة واحدة الحصول على مادة ثنائية الأبعاد وفائقة التوصيل، في وريقة واحدة من الجرافين تتحرك الشحنات الكهربية كالجسيمات الكمومية النسبوية وكأنها في الحقيقة فقدت كتلتها مما يجعلها تتحرك بسرعة الضوء".

ويضيف الباحث أن "هذا النوع من الفيزياء الذرية كان بعيد المنال، ولذا يمكنني تشبيه الجرافين بأنه يعمل كمعجل للجسيمات، وستكون السنوات الـ15 المقبلة فاصلة في موضوع التطورات التي سيشهدها عالم الحاسوب بشكل خاص.. كيف لا وهو أشد مقاومة من الفولاذ بمائتي مرة؟".


نوفوسيلوف خلال تلقيه جائزة نوبل في الفيزياء عام 2010 (أسوشيتد برس-أرشيف)

سباق السرعة والقدرات

وتزداد أهمية المعالجات الإلكترونية فائقة السرعة اليوم أكثر من أي وقت مضى، وذلك لمعالجة هذا التراكم الهائل من المعلومات والعمليات المعقدة في كون عالمي مترابط شبكيا, ولكن هناك عدة عوامل يحاول العلماء تخطيها من أجل صناعة معالجات أكثر كفاءة وقدرة, فتخفيض الحرارة المنبعثة من المعالجات والتبريد المتواصل, مع زيادة سرعتها في معالجة البيانات, جميعها شكلت دوافع لاكتشاف مواد أكثر قدرة على توفير المتطلبات المستقبلية لمعالجات الغد.

فحرارة المعالجات الحاسوبية المصنوعة من مادة السليكون تقوم بعمليات عديدة في الثانية الواحدة دون ارتفاع في حرارتها إلى حد معين، أما الجرافين فإن الإلكترونات تمر فيه دون مقاومة تقريباً مع ارتفاع بسيط جدا في درجة حرارته, ويرجع سبب ذلك إلى أن الجرافين يسمح بمرور الحرارة دون احتكاكها بالإضافة إلى أنه يفقدها بسرعة كبيرة جدا، وهذا ما يجعله مناسباً لصناعة الخلايا الإلكترونية.

إن سرعة المعالجات المبنية على السليكون ستبقى محصورة في نطاق الغيغاهيرتز، أما مادة الجرافين فسيمكنها من اختراق حاجز التيراهيرتز (التيرا يعادل ألف غيغا).

وعلى الرغم من أن مادة الجرافين تستهلك طاقة أقل من السليكون إلا أنها ليست موصلة جيدة للكهرباء كما السليكون، وهذه الخاصية مهم وجودها في المعالجات التي تعتمد الدوائر المتكاملة في المعالجة, إلا أنها تسبب فقدان كميات من الطاقة دون فائدة، ولكن العلماء قاربوا على تجاوز هذه العقبة وجعل مادة الجرافين تقارب مادة السليكون بخصائصها في التوصيل.

والجرافين شكل من أشكال الكربون سداسي الذرات (ذرات الكربون فيها مرتبة على شكل مسدس الزوايا والأضلاع كخلية النحل تماماً) ولا يرى بالعين المجردة، وهو يعد من أكثر العناصر اتحادا مع العناصر الأخرى مكونا أكثر من عشرة ملايين مركب, بالإضافة إلى أنه من العناصر الأكثر توافرا على كوكب الأرض, فكل كائن حي يحتوي على مادة الجرافين وهو أحد تكوينات الكربون المختلفة .

يُذكر أن الباحثين الأميركييْن ديفيد مرمين وهربرت واجنر توصلا عام 1966 إلى أن الجرافين الذي تصنع منه أقلام الرصاص، يتأثر بعامل الحرارة أو الاستثارة الحرارية، أي أن طبقة واحدة من الذرات يمكن أن تضطرب في بنيتها الشكلية، وبالتالي فإن المادة نفسها يمكن أن تتحول إلى سائل أو مادة مائعة نظراً لأنه لا يمكن عزلها, إلا أن العالميْن جيم ونوفوسيلوف تمكنا بعد 38 سنة من عزل ذرات الجرافين.

وبالرغم من أن لجنة نوبل أقرت أن أغلبية استعمالات الجرافين العلمية موجودة في تخيلاتنا فحسب، فإن العديد منها يخضع للتجربة حاليا.

ويظل حقل اكتشاف خصائص الجرافين في مراحله الأولى ، ومن المنتظر أن يجذب هذا الفتح العلمي الكثير من مراكز الأبحاث وشركات التقنية التي تترقب التطورات في الأبحاث المتعلقة بالجرافين, لتنطلق في عالم لا يعرف المستحيل.
__________________
* صحفي يمني متخصص في الشؤون العلمية


المصدر:الجزيرة

الاثنين، 21 أكتوبر 2013

إسمعي يا أسمـــــــــــــــــاء

د مروان الغفوري

من صفحة الشابة أسماء العديني، التي نالت الترتيب الأول على الجمهورية بنسبة 99.4%، لهذا العام:

"ﻟﻮ ﺍﻧﻬﻢ ﻭﺿﻌﻮﺍ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ في ﻣﺪﺍﺭﺳﻨﺎ ﻭﺩﺭﺳﻨﺎﻩ ﺏ ﺍﻋﺠﺎﺯﻩ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻭﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻲ ﻭﺍﻟﻠﻐﻮﻱ ﻟﺨﺮﺟﻨﺎ ﺑﻪ ﺍﻣﻪ ﺗﻘﻮﺩ ﺍﻣﻢ"..

تعليقي:
اسمعي يا أسماء،
أمامك طريق طويل مع الفيزياء والبيولوجيا. دعي هذه الفننتازيا، وهذه الشوفينية الدينية، للذين خرجوا عن القضبان وعجزوا عن فهم الهندسة الفراغية وعلم الدوال الرياضية.
القرآن كتاب في الدين، في العقائد الأخلاق، وجزء من التشريع.
فكرة الأعجاز العلمي تدخل السرور على قلوب جماهير الأمم المهزومة: حسناً، لقد تفوق علينا الرجل الأبيض، لكن الله تفوق عليه. انظري إلى هذه الفكرة كم مهينة للخالق، إذ تجعله في سباق علمي مع البروفيسور زودهوف وفريقه العلمي.

الذين دخلوا لعبة الإعجاز العلمي انتهوا بعد سنين طويلة مهندسي موت. الفكرة واحدة: دعونا نبحث عن طريقة لهزيمة العالم المتقدم. بعدإعادة تدوير النصوص الدينية بطريقة تسمح باستخراج ملاحظات في فيزياء الكون وعلم الأجنة شعر المتدينون بالارتياح العميق: لقد هزمهم ربنا هذه الليلة. في الليلة القادمة سنستلم راية المواجهة من يد الرب لنهزمهم نحن.
تنظيم القاعدة هو استكمال عملياتي لفكرة الإعجاز العلمي في القرآن.

ليست مهمة المسلم أن يقود العالم، بل أن يتعايش معه، ليتبادلا الأفكار الجيدة حول كيف يمكن أن نخلق عالماً أفضل. فعندما ألقى مرشد الإخوان خطاباً عن "أستاذية العالم" كانت تجربة الإخوان السياسية قد وصلت إلى مستوى من العشوائية والبدائية بحيث أثارت ضدها أحياء شبرا وبولاق الدكرور، بينما كان المرشد يعتقد أنه سيلهم سكان مدينتي سيول وفانكوفر!

عندما تدرسين فيزياء الكون، لا الإعجاز العلمي في مسائل الكون، ستجدين تاريخاً علمياً حديثاً عن كيف استعدت الولايات المتحدة وروسيا في لحظة ما لمواجهة كويكب شارد ينطلق بسرعة 10 كيلو مترات في الثانية كان متوقعاً أن يضرب الأرض ويقضي على الحياة فيها، أو نسبة كبيرة من الحياة. في تلك اللحظات يتذكر كل العالم بيان آين شتاين وبرتراند راسل 1954 حول المسؤولية الجماعية في الحفاظ على الحضارة،التي هي منجز إنساني جماعي. تجهز أميركا كل قدرتها التكنولوجية لمواجهة الخطر خارج حدود الأرض. يصبح هذا البلطجي هو حارس الحارة الوحيد.

القرآن كلام الله، أشترك معك في هذا الاعتقاد. القرآن نفسه، وقد قرأته مئات المرات وكنت أستخدم الماركر والهايلايت والقلم الرصاص، يتحدث عن التدبر والتفكر أكثر من حديثه عن الإيمان. يترك بعض الإشارات العلمية، في معرض حديثه عن خلق الكون، لا لكي يهزم البروفيسور زودهوف، بل ليقول لك: ثمة علم مهم اسمه الفيزياء، من الأفضل أن تكتشف الطريق إليه.

لكنا، بطريقة مدمرة للإيمان، صفقنا عندما اكتشفنا أن الله يعرف بعض المسائل العلمية. تماماً كما يفعل بدو جنوب الصحراء الأفريقية عندما يتقن الغلام أول عملية حساب، أو يصطاد أول تمساح.

الإعجاز الأهم في القرآن هو الدعوة إلى الاتقان، ولا توجد حاجة لإعجاز آخر.

نهارك سعيد.

م. غ.

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

جائزة نوبل في أرقام



جائزة نوبل في أرقام
كم مرة تم منح جائزة نوبل لمتوفٍ؟ أي من الباحثين تم منعهم من نيل الجائزة؟ باحثو أي دولة حققوا الرقم القياسي في الحصول على الجائزة؟ وأي من الباحثين نال الجائزة أكثر من مرة؟ نظرة على تاريخ جائزة نوبل الذي يمتد لـ 112 عاما.

ألفريد نوبل منح ثروته لمؤسسته التي تمنح جائزة باسمه تعتبر الأرفع في ست مجالات

حين أوصى ألفرد نوبل بثروته لإحدى المؤسسات، أصيب ورثته بالذهول فاعترضوا على الوصية ونقضوها لدى القضاء. واستمر النزاع خمسة أعوام، إذ منحت أول جائزة عام 1901 أي بعد خمس سنوات من وفاة نوبل.

تمنح جائزة نوبل للأحياء فقط، لكن داغ همرشولد الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 1961 واريك آكسيل كارلفيلدت الذي حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1931 تم تكريمهمها ومنحهما الجائزة رغم موتهما، لأنهما توفيا في الفترة ما بين ترشيحهما ومنحهما الجائزة. عام 1974 لم يعد يسمح بذلك واقتصار الجائزة على الأحياء فقط. لكن عام 2011 منحت جائزة الطب لميت، إذ لم تكن اللجنة المشرفة على الجائزة تعرف أن رالف شتاينمان قد توفي قبل ثلاثة ايام من منحه الجائزة. وبالتالي استلم ورثة شتاينمان الجائزة كحالة استثنائية.

الحصول على الجائزة مرتين

حصل أربعة باحثين على جائزة نول مرتين، إذ نال عالم الفيزياء الأمريكي جون باردين عامي 1956 و 1972. كذلك نال الجائزة مرتين عالم الكيمياء الحيوية البريطاني فريدريك سانغر عامي 1972 و 1980.

أما الجمع بين جائزتي نوبل في مجالين مختلفين، فكان من نصيب عالم الكيمياء الأمريكي لينوس باولينغ، الذي حصل على جائزة الكيمياء عام 1954 وجائزة السلام عام 1962 لمناهضته تجارب الأسلحة النووية.

بين النساء حصلت الفرنسية ماري كوري، عام 1903 على جائزة الفيزياء لأبحاثها في مجال النشاط الإشعاعي وعام 1911 على جائزة الكيمياء لاكتشافها العناصر الكيميائة للولونيوم والراديوم.

أما مجموع عدد النساء اللواتي حصلن على الجائزة منذ عام 1901 وحتى عام 2012 فبلغ 44 إمرأة، لكن فقط 16 إمرأة حصلن على الجائزة في المجالات العلمية الثلاث: عشرة في الطب وأربع في الفيزياء وواثنتان في الكيمياء.
رفض جائزة نوبل

اثنان رفضا استلام جائزة نوبل بعد منحهما إياها، وهما الفيتنامي لي دوك تو، الذي رفض استلام جائزة نوبل للسلام بسبب الحرب والأوضاع في بلاده آنذاك، في حين رفض الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الجائزة لأنه كان يرفض أي تكريم رسمي.

أما الباحثون الألمان فكانوا يمنعنون من استلام الجائزة اثناء حكم هتلر في الحقبة النازية، إذ حرم ريشارد كون من جائزة الكيمياء عام 1938 وأدولف بوتنانت من نفس الجائزة في العام التالي، في حين منع غيرهارد دوماغ من استلام جائزة نوبل للطب عام 1939. لكن العلماء الألمان الثلاثة استلموا جوائزهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لكن فقط الشهادة والميدالية دون المكافأة المالية.

علماء أي دولة الأكثر حصولا على الجائزة؟

أغلب جوائز نوبل في المجالات العلمية الثلاث: الطب والفيزياء والكيمياء، حصل عليها علماء أمريكيون، إذ بلغت نسبتهم 43 بالمائة. يليهم العلماء الألمان وفي المركز الثالث البريطانيون يليهم الفرنسيون.

وأكثر الحاصلين على الجائزة هم من مواليد الفترة ما بين 28 شباط / فبراير و21 أيار / مايو.

أما متوسط أعمار الحاملين لجائزة نوبل في المجالات الست: الطب والفيرياء والكيمياء والسلام والاقتصاد والآداب، فيبلغ 59 عاما. أما الاسترالي – البريطاني لورانس براغ الذي حصل على جائزة نوبل للفيزياء عام 1915 فيعتبر الأصغر عمراً بين حاملي الجائزة لم يتجاوز الخامسة والعشرين حين تم تكريمه. في حين يعتبر الفيزيائي الأمريكي رايموند ديفيس الذي حصل على الجائزة عام 2002 في الثامنة والثمانين الأكبر بين الحاملين للجائزة في المجالات العلمية الثلاث. أما عالما الاقتصاد ليونيد هوروفيتش ولويد شابلي، فحصلا على الجائزة وعمرهما على التوالي تسعين وثمانين عاما.

الأحد، 29 سبتمبر 2013

أعجوبة الهندسة المائية من مملكة سبأ... صهاريج عدن



 عدن - عمر الحياني 


ساعات مرت ونحن في طريقنا الى صهاريج عدن، أو ما يعرف بـ«صهاريج الطويلة». هبطنا بالسيارة التي أقلتنا من العاصمة صنعاء، الواقعة على ارتفاع 2150 متراً فوق سطح البحر، جنوباً باتجاه مدينة عدن على ساحل خليج عدن.

قطعنا في رحلتنا نحو 400 كيلومتر، مررنا خلالها على سهول منبسطة وجبال شديدة الانحدار. في هذه المنطقة عمل الانسان اليمني على تكييف الطبيعة الجبلية الوعرة وتحويلها الى مدرجات زراعية خضراء، وعلى جوانب الوديان أنشأ نظامه المائي وأقام السدود، ليحولها الى جنة في «الأرض السعيدة».

قبل وصولنا إلى عدن، أخذت الجبال تتلاشى شيئاً فشيئاً ونحن نقترب من مدينة لحج ونهبط تدريجياً نحو سهل دلتا تبن. ثم انبسطت الطريق، وعلى جانبيها منظر باهر بأفقه البعيد الممتد على مزارع الحسيني الخضراء الشهيرة بزراعة الفل والمانغو.

في أقصى المنحدر من جبل شمسان تراءت لنا صهاريج عدن من بعيد، كأسطورة من ملاحم الأدب الشعبي، حيث تدهشك عبقرية البناء وعظمة الانجاز.

صهاريج عدن
على فوهة بركان خامد تقع مدينة عدن. وفي جنوبها تقع الصهاريج، أو الخزانات، في مدينة كريتر بمديرية صيرة، وتحديداً في وادي الطويلة أسفل مصبات هضبة عدن المرتفعة نحو 250 متراً عن سطح البحر.

هناك مارس اليمنيون القدامى عباداتهم بإقامة أماكن النحران وسط الصهاريج في اتجاه كوكب الزهرة، لتقديم الذبائح في مواسم الجدب والجفاف، لتغدق عليهم «الآلهة» نعيم البركات من الأمطار وتبعد عنهم سنوات القحط.

وعلى رغم مرور ما يربو عن 35 قرناً، ما زالت سلسلة الممرات والصهاريج تؤدي دورها في تغذية المياه والحفاظ على مدينة عدن من السيول الى يومنا هذا.

من الأقدم والأجمل

يعود تاريخ بناء صهاريج عدن إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، في عهد مملكة سبأ. وبلغ عددها نحو خمسين صهريجاً، أكبرها يتسع لنحو 18 ألف متر مكعب، وما زال 18 صهريجاً منها قائماً الى الآن. وهي تعد من أقدم أنظمة الري، ووصفها الرحالة والأديب اللبناني أمين الريحاني بأنها «من أجمل الأعمال الهندسية في العالم». وقد بنيت من الصخور البركانية ومادة «القضاض» التي تشبه الإسمنت، والمكونة من الرماد البركاني المخلوط بحجر الكلس (النورة) مع الهيلس والنيس تحت حرارة وضغط عاليين.

يقول أستاذ هندسة العمارة في جامعة صنعاء حازم شكري: «صهاريج عدن واحدة من الحلول المائية التي شيدها الانسان اليمني لمواجهة الجفاف ولحفظ المياه لأغراض الزراعة والشرب. وتعد صهاريج بني حماد في تعز شبيهة بها من ناحية الهدف والبناء».

تأخذ الهضبة الواقعة ضمن جبل شمسان شكلاً شبه دائري، حيث مصب السيول عند رأس وادي الطويلة على مضيق يبلغ طوله 225 متراً. وتتصل الصهاريج بعضها ببعض في شكل سلسلة، بحيث تعمل الصغيرة في بداية الوادي بمثابة سدود لتصفية الرمل والطمي، مع ارتفاع فتحات ممرات السيول في الصهاريج.

صهاريج عدن ومنحدر جبل شمسان
يمتلئ الصهريج الأول في أعلى الوادي بمياه السيول المندفعة من قمة الهضبة. وينساب الماء الفائض عبر قناة وممرات الى الصهريج الثاني، ليمتلئ هو بدوره، ثم ينساب الماء إلى الصهريج الذي يليه، وهكذا الى آخر ممر على ساحل خليج عدن.

وثمة أحواض صغيرة في طرفي المضيق تتلقف السيول الجارية من سفوح الهضبة، وهي متصلة عبر ممرات وقنوات بالصهاريج الكبيرة.

وللمحافظة على نظافة الصهاريج والمياه المحفوظة فيها، بنيت سدود قصيرة في وسط المضايق الجبلية وعلى جوانبها، منعاً للطين والحصى والعوالق من الانجراف مع المياه المندفعة من المنحدرات الى داخل الصهاريج، ولتسهيل إخراجها من الصهاريج.

وقد شرح الباحث اليمني عبداللـه أحمد محيرز في كتاب «صهاريج عدن» أن نظام التصريف «لم يكن مقتصراً على هدف خزن المياه لتوفيره للمستهلك، مثلما تعمل بقية الصهاريج والخزانات في عدن، بل كان نظاماً دينمائياً وتكنولوجياً بارعاً يجعله وسيلة لتلقف الماء عبر جدران حاجزة، إما منحوتة في الصخر وإما مبنية بالحجارة والقضاض، وتقوم بثلاث مهمات: تلقف الماء، وحجز الحجارة والطمي الساقط مع الشلالات، وتوجيه الماء عبر سلسلة من الجدران لتصريفه إلى حيث تكون الحاجة إليه».

خزانات صهاريج عدن
مواجهة الشح وحماية المدينة

بنيت الصهاريج بغرض معالجة مشكلة شح المياه العذبة في هذه المنطقة البركانية، من خلال إقامة منشآت مائية من آبار وحياض وصهاريج لحفظ مياه الأمطار. وهي تحمي المدينة من الفيضانات الموسمية، بتلقفها السيول من أعالي الهضبة وتخفيف اندفاعاتها وتغذية الآبار الجوفية عبر فتحات خاصة صممت بشكل دائري في قاع كل صهريج.

وعبر سلاسل من الممرات والصهاريج المتدرجة والممتدة من أعالي وادي الطويلة الى شاطئ خليج عدن، يمر فيضان السيول باتجاه البحر حفاظاً على المدينة من الانجراف.

يقول مدير عام صهاريج عدن خالد رياض «إنها هندسة مائية فريدة من نوعها. ففي هذه البيئة البركانية الفقيرة بالمياه اجترح اليمنيون القدماء من المعاناة عملاً هندسياً ابداعياً. فعبر الممرات والصهاريج المتسلسلة تحفظ المياه بعد أن تمر بمراحل تصفية للتخلص من الطمي والرمال، بحيث تصل الى المراحل الأخيرة وهي صالحة للاستعمال».

وتنتشر أبنية سكنية خارج أسوار الصهاريج. ويقول أحمد سعيد، وهو من سكان الجوار: «تعد الصهاريج أحد الاحتياطيات المائية لمدينة كريتر، وخاصة في الظروف الاستثنائية. وهي عامل تغذية للآبار في المدينة». ولا يخفي شكواه من حالات الغرق المتعددة في الصهاريج وعدم وجود فريق متخصص بالإنقاذ في أوقات فيضانها.

لدى اليمن تجربة قديمة في بناء السدود والحواجز والصهاريج المائية، لكن حصة الفرد المتدنية من المياه، البالغة نحو 125 متراً مكعباً في السنة وفق تقرير منظمة الأغذية والزراعة (فاو) الذي صنفها بين أفقر10 بلدان في العالم مائياً، يرافقها استنزاف حاد للموارد المائية القليلة وضع البلد في مواجهة حتمية مع الجفاف.

التجربة اليمنية القديمة في الحفاظ على المياه جديرة بالاعتبار والاستلهام اليوم، في مواجهة مستقبل ينذر بكارثة مائية وشيكة.

صحيفة الوسط


الجمعة، 27 سبتمبر 2013

تصلب الشرايين سوس ينخر العصر




د.مروان الغفوري
قد يصبح مصطلح "تصلب الشرايين" من أكثر المصطلحات تداولا على مستوى العالم في السنوات القادمة، فطبقا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية فإن حوالي 17.3 مليون شخص ماتوا عام 2008 بسبب هذا المرض. ومن المتوقع أن تتزايد وفيات أمراض القلب والشرايين لتصل إلى 23.3 مليون حالة وفاة عام 2030 وفق المنظمة، وتحدث 80% من هذه النسبة بالدول الفقيرة والمتوسطة الدخل.

وتضع هذه الصورة القاتمة لطغيان أمراض القلب والشرايين البشرية أمام منحنى حرج. وعندما نقول "أمراض القلب" فنحن أيضا نعني، مع قليل من التحفظ، أمراض الشرايين. فعبر متتالية مرضية شديدة التعقيد ينتهي تصلب الشرايين التاجية بأمراض جسيمة على مستوى وظيفة القلب وبنيته أيضا.
دكتور : مروان الغفوري

غير أن مصطلح تصلب الشرايين يتسع أكثر ليسيطر على مساحات الكائن البشري المترامية. فتضيقات شرايين العنق المغذية لنسيج الدماغ، وشرايين الأحشاء التي تمد سائر الأجهزة بالدم وكذلك شرايين الأطراف، تندرج جميعها ضمن "تصلب الشرايين".

وتقود أمراض الشرايين بلا منازع البشرية إلى تدميرها الذاتي، وفي السنوات الأخيرة تنحّت الأمراض المعدية لتحل مكانها أمراض القلب والشرايين بالمرتبة الأولى كأبرز مهدد للصحة العالمية.
أمراض القلب والشرايين أبرز مهدد للصحة العالمية (دويتشه فيلله)

لنعد في الزمن
دعونا نعُد إلى الوراء قليلا لعام 1931، في هذه السنة نشرت بعثات استكشافية أسترالية صورا لسكان جزيرة حديثة الاكتشاف "غينيا الجديدة".

كان كل شيء في الصورة غير مألوف، فأولئك البشر يعيشون خارج الحضارة الإنسانية عبر مراحلها كلها منذ زمن اختراع الكتابة.

وفي كتابه "العالم حتى الأمس" يعلق البروفيسور جيرد دايموند -الذي قضى حوالي نصف قرن بدراسة القبائل البدائية على تلك الجزيرة- بقوله إن شيئا أساسيا لا يبدو عليهم: السمنة. ويجري مقارنة بين تلك الصور وصورة جديدة التقطتها عيناه بمطار "بورت موريسبي" في غينيا الجديدة عام 2006، إذ أصبح الجيل الجديد من سكان الجزيرة يعاني من السمنة وضغط الدم وأمراض السكر، وبالضرورة مرض تصلب الشرايين.

ويقول دايموند: لو سألت أطباء المطار لأكدوا لي ذلك بالفعل، لقد نقلت حضارتنا الحديثة التكنولوجيا ووسائل الرفاه لهم، وأيضا آفتها المعاصرة "تصلب الشرايين".

اخترعت الحضارة البشرية الحالية وسائل الرفاهية والمتعة، وحولت الحياة على ظهر الكوكب من متحف إلى حفلة، لكنها أيضا أضعفت الكائن البشري من الداخل. لم نصبح أقل قدرة على مواجهة التحديّات العميقة فحسب، بل وأكثر هشاشة أيضا.
وتتحدث الدراسات الطبية الحديثة عن "وباء" اسمه تصلب الشرايين. في مطلع القرن الماضي كان لا يزال مرضا مثل سائر الأمراض، أو متلازمة مرضية عديدة الأبعاد. أما مع الآن فقد أصبح وباء يهيمن على مشهد الصحة البشرية. لكن دعونا نتحدث عن أسباب المرض، كيف نشأ هذا الوباء؟ ماذا تقول منظمة الصحة العالمية؟ وبماذا توصي؟ وكيف نسوّر الحضارة ضد هذا التنين؟

تغيرات حضارية
 تواجه الصحة البشرية، وفق التقرير العالمي حول ضغط الدم الصادر عن منظمة الصحة العالمية 2013، تغيرات حضارية سريعة تؤثر بصورة مباشرة على مستقبلها: شيخوخة المجتمعات، التمدن المتسارع غير المدروس، وعولمة الأنماط الحياتية غير الصحية.
التدخين يدمر الشرايين (دويتشه فيلله)

وفي مقدمة الظواهر المرضية الحديثة التي أنتجتها الأنماط الحضارية الحديثة للحياة والعلاقات البشرية، يأتي ضغط الدم.

ووفق المنظمة الأممية فإن ضغط الدم يصيب حوالي مليار من البشر، ويقتل تسعة ملايين كل عام. وعندما نتحدث عن ضغط الدم الذي يطلق عليه أيضا مصطلح القاتل الصامت، فنحن نتحدث عن صيرورته إلى "تصلب الشرايين".

فالترجمة النهائية لضغط الدم تأتي عبر أمراض القلب، والجلطات الدماغية، وأمراض الكلى، وتضيق شرايين الأطراف. إننا أمام نتيجة درامية لتغيرات أنماط الحياة، تؤول إلى تدمير أنهار الجسد البشري: الشرايين. وبالضرورة تدمير بنيته ومستقبله الفردي والجماعي.

ولا يعمل ارتفاع ضغط الدم وحيدا. فهو يتداخل مع شبكة معقدة من الظواهر المرضية التي يساند بعضها بعضا: مرض السكر، والتدخين، والسمنة، وارتفاع منسوب الدهون المرضية في الدم. فضلا عن عوامل سلوكية أخرى: قلة المجهود، والوجبات السريعة، والقلق والتوتر، وتناول الخمور.

وضعت منظمة الصحة العالمية "خارطة طريق 2013-2020" للتعامل مع "الأمراض غير المعدية" وتحديدا تلك التي تؤدي إلى تصلب الشرايين. تقترح الخارطة تعاونا حقيقيا من قبل الحكومات وأنظمة الصحة المحلية، وتستهدف خفض مستويات التدخين، واستخدام الملح في الطعام، وضغط الدم، والسمنة. في المجمل تهدف خارطة الطريق إلى تحقيق انخفاض ملحوظ في وفيات أمراض تصلب الشرايين بحلول عام 2020 عبر مواجهة العوامل المسببة له.

سياسات مخصصة وذكية
واقترحت المنظمة أن تهتم كل دولة بالمشكلة الأكثر حضورا لديها. فهناك دول سيكون عليها أن تضع السياسات الذكية للتعامل مع موضوع التدخين، بينما سيكون على دول أخرى مثل الصين، على سبيل المثال، أن تضع موضوع ملح الطعام بالمقدمة. في الدول العربية، الخليجية مثلاً، تلعب السمنة، ومرض السكر، وانخفاض معدلات النشاط الجسدي، الدور الرئيسي في متتالية تصلب الشرايين. 
خفض معدلات السمنة يحسن صحة المجتمع (الجزيرة)

غير أن الطب لا ينتظر السياسات الحكومية، فهو يضع مقترحات سريعة يمكن للشخص أن ينفذها بأقل قدر من التكاليف: الامتناع عن التدخين، أو خفض عدد السجائر في اليوم، وممارسة الرياضة لمدة لا تقل عن ثلاثين دقيقة في اليوم، وتناول الخضراوات والفواكه كحد أدنى ثلاث مرات في اليوم، والتقليل من استخدام الملح في الأطعمة، وتقليل معدل الاعتماد على الوجبات السريعة كمصدر للغذاء.

وتتحدث الدراسات التي تنشر تباعا بأوروبا عن نجاحات جزئية في التعامل مع هذه الظاهرة الحضارية، كخفض معدلات التدخين وتطوير عملية المسح والعلاج المبكر لضغط الدم ومرض السكر. لقد حققت الدول الحديثة إجمالا، إنجازا كبيرا في خفض نسبة وفياتها بسبب أمراض تصلب الشرايين.

ووفق منظمة الصحة العالمية فإن 80% من وفيات أمراض القلب والشرايين تحدث بالدول الأقل دخلا والدول الفقيرة. وبالنسبة لهذه الدول التي تعيش مشاكل اقتصادية واجتماعية وأمنية جمة فإن آخر ما تنتظره هو أن يضيف الوضع الطبي الحرج عبئا عموديا على جهازها الفقري الهش. أي أن هذه الدول لن يكون بوسعها أن تتحدث بالمستقبل عن دولة الرفاه، بل عن إمكانية البقاء. وهذا ليس من قبيل المبالغة المجازية.
-----------------------------
*أخصائي أمراض القلب والأوعية الدموية
المصدر:الجزيرة