الثلاثاء، 8 مايو 2018

  ضمن السدود وفي باطن الأرض تراجع خطير في موارد العرب المائية 


يزداد الطلب العالمي على المياه بمعدل يقارب 1 في المئة سنوياً نتيجة زيادة السكان والنمو الاقتصادي وتغير أنماط الاستهلاك. ‏ومن المتوقع أن يرتفع هذا الطلب بمعدلات ملحوظة خلال العقدين المقبلين من أجل تلبية الاحتياجات المنزلية والصناعية بوتيرة ‏تتجاوز معدل زيادة الطلب في القطاع الزراعي، على الرغم من استمرار تفرد الزراعة في صدارة القطاعات المستهلكة للمياه‎.‎

البلدان ذات الاقتصادات النامية أو الناشئة ستكون الرائدة في زيادة الطلب على المياه، وهي في أغلبها تقع في مناطق تعاني من ‏تفاقم الجفاف نتيجة تغير المناخ. وفيما يعيش نحو 3.6 بلايين نسمة حالياً في مناطق تندر فيها المياه بواقع شهر واحد في السنة ‏على الأقل، فإن هذا العدد سيرتفع إلى ما يتراوح بين 4.8 و5.7 بلايين نسمة بحلول سنة 2050‏‎.‎

حسب تقرير "البيئة العربية في عشر سنين"، الصادر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفِد) في 2017، تراجعت حصة ‏المواطن العربي السنوية من المياه العذبة المتاحة بنسبة 20 في المئة، من 990 متراً مكعباً في 2005 إلى 800 متر مكعب في ‏‏2015. يتراجع المعدل الإقليمي إلى ما دون 500 متر مكعب إذا استثنينا موريتانيا والعراق والسودان ولبنان، في حين أنه يقل ‏عن 200 متر مكعب في 9 دول. وللمقارنة فإن الحصة العالمية للشخص في السنة هي 7525 متراً مكعباً من المياه العذبة، أي ‏نحو عشرة أضعاف المعدل العربي‎.‎

إن 16 بلداً عربياً تقع حالياً دون خط الفقر المائي، بل إن 13 بلداً عربياً هي ضمن البلدان العشرين ذات الموارد المائية العذبة ‏الأكثر ندرة في العالم. وفي حال استمر النمو السكاني على ما هو عليه الآن، فمن المتوقع في سنة 2030 أن تكون العراق وجزر ‏القمر وموريتانيا وربما السودان هي البلدان العربية الوحيدة الباقية فوق خط الفقر المائي. علماً أن هذه التقديرات لا تأخذ في ‏الاعتبار مسألة تغير المناخ، التي من المتوقع أن تؤدي في سنة 2030 إلى تراجع مصادر المياه المتجددة بمقدار 20 في المئة‎.‎

مخزونات السدود تتناقص
وفقاً لمعطيات منظمة الفاو لسنة 2015، يبلغ مجموع السعة التخزينية للسدود في العالم العربي 393 بليون متر مكعب، حيث ‏تتشارك مصر والعراق نحو 80 في المئة من هذه السعة، وتليهما السودان وسورية والمغرب بما نسبته 5 في المئة لكلٍ منها‎.‎

تبنى السدود استناداً إلى نماذج الهطول المطري التاريخية، إلا أن تغير المناخ وزيادة تكرار دورات الجفاف، بالإضافة إلى تراكم ‏الطمي والمشاريع المائية لدول المنبع، تجعل الجدوى من هذه السدود في حدودها الدنيا. فقد انخفضت السعة التخزينية للسدود في ‏الأردن، على سبيل المثال، من 46 في المئة في 2010 إلى 33 في المئة في 2011. وفي المغرب تراجعت السعة من 75 في المئة ‏إلى 20 في المئة خلال الفترة بين 1986 و2004‏‎.‎

مؤسسة الموارد العالمية، وهي منظمة دولية غير حكومية مقرها في واشنطن، نشرت مؤخراً معلومات مقلقة عن بعض السدود ‏في العالم، واختارت سدّي المسيرة المغربي والموصل العراقي كحالتين نموذجيتين‎.‎

سد المسيرة، الذي يعد ثاني أضخم سد في المغرب بعد سد الوحدة، شهد تقلصاً في مساحته السطحية بمقدار 60 في المئة خلال ‏السنوات الثلاث الماضية، نتيجة الجفاف الشديد الذي أصاب البلاد في 2016 وتأخر هطول الأمطار في 2017. وكانت الفترة بين ‏‏2005 و2008 آخر مرة عرف فيها السد تراجعاً مماثلاً في منسوب المياه. حينها، عانى 700 ألف مغربي من آثار الجفاف، ‏وتناقص إنتاج الحبوب بمقدار 50 في المئة‎.‎
مساحة المسطح المائي لسد المسيرة المغربي في تراجع مستمر
‎
لا يوجد تقدير دقيق للمخاطر التي سيتسبب بها الجفاف وتراجع مخزونات السدود في المغرب مع زيادة الطلب على المياه، لكن ‏الأمر من دون شك مثير للقلق. فالتنافس على موارد المياه المحدودة أمر مرجح خلال السنوات المقبلة، حيث سيزداد طلب المدن ‏المغربية الكبرى على المياه سنة 2050 بمقدار 60 إلى 100 في المئة، وفقاً لتقديرات البنك الدولي‎.‎

في العراق، تراجعت مناسيب السدود نتيجة سوء إدارة الموارد المائية في البلاد ودورات الجفاف القاسية التي أصابت المنطقة ‏خلال السنوات الماضية. كما ارتبط التراجع الحاد لتدفق المياه في نهري الفرات ودجلة ضمن الأراضي العراقية مع مشروع ‏جنوب شرق الأناضول (غاب) الذي تنفذه الحكومة التركية، ويضم 22 سداً و19 محطة كهرومائية. ووفقاً لتقديرات الحكومة ‏العراقية، أدى مشروع غاب إلى تناقص غزارة نهري دجلة والفرات بمقدار 80 في المئة حتى الآن‎.‎

حسب معطيات مؤسسة الموارد العالمية، تراجعت المساحة السطحية لسد الموصل بمقدار 60 في المئة اعتباراً من تسعينات ‏القرن الماضي. وهذا يؤشر إلى الوضع الخطير الذي وصلت إليه الموارد المائية السطحية في العراق، علماً أن ملايين العراقيين ‏يعتمدون بشكل كامل على نهري دجلة والفرات لتأمين احتياجاتهم من ماء الشرب والري الزراعي والطاقة والانتقال‎.‎


تناقص الموارد المائية يزيد التصحر في جنوب العراق‎
وكما هي الحال في سورية، توجد العديد من الدراسات التي ترى الجفاف وقلة الموارد المائية من بين العوامل التي أشعلت نار ‏الصراع في العراق. ومن المتوقع أن يزداد الإجهاد المائي في البلاد خلال السنوات المقبلة، نتيجة النمو السكاني وتغير المناخ، ما ‏سيجعل استمرار النزاعات المتصلة بالمياه أمراً غير مستبعد‎.‎

أما في مصر، فمن المتوقع أن يؤدي ملء سد النهضة الأثيوبي إلى تراجع حصة البلاد من مياه النيل، التي تبلغ 55.5 بليون متر ‏مكعب سنوياً حسب اتفاقية 1959. وفي حال جرى ملء السد في فترة خمس سنوات فإن معدل التراجع سيصل إلى 25 في المئة، ‏وعندها ستضطر مصر إلى تعويض 70 في المئة من النقص الحاصل من خلال الاعتماد على مخزون بحيرة ناصر. خلال هذه ‏الفترة، ستنخفض الكهرباء المتولدة من السد العالي بمقدار الثلث‎.‎

وعلى الرغم من قرب انتهاء تشييد سد النهضة، لا تزال هناك الكثير من القضايا الغامضة المرتبطة بالمشروع، لاسيما الخطط ‏الأثيوبية في توظيف هذا السد في مشاريع الري. فمن المستبعد أن يتم بناء سد بهذا الحجم لتوليد الكهرباء فقط، كما هو معلن. ‏وبالتالي لا توجد تقديرات موثوقة عن حجم انخفاض حصة مصر والسودان من مياه النيل خلال فترة استثمار السد، خاصةً وأن ‏أثيوبيا بحاجة لتوفير المياه المنتظمة لأراضيها الغربية والجنوبية من أجل الزراعة‎.‎


استنزاف المياه الجوفية

وكما هي الحال بالنسبة إلى المياه السطحية، تتشارك الدول العربية، فيما بينها ومع دول الإقليم المجاورة، معظم الأحواض المائية ‏الكبرى. وهذا ما يجعل المياه السطحية والجوفية عرضة للتجاذب والنزاع بين الدول، خاصةً أن مياه الأحواض المشتركة هي في ‏أغلبها غير متجددة‎.‎


ويشير تقرير "البيئة العربية والتنمية المستدامة" الصادر عن أفِد في 2016 إلى أن الدول المتشاطئة لم تقم، في مجمل الحالات ‏تقريبا، بتوقيع اتفاقيات ومعاهدات حول تقاسم الموارد المائية وإدارتها بشكل عادل. هذا الأمر يهدد استقرار المنطقة العربية ‏وأمنها الغذائي، ويزيد من مصاعب تخطيط وإدارة الموارد المائية على المستوى الوطني‎.‎


في سنة 2016 وفّرت المصادر السطحية 81 في المئة من المتطلبات المائية العربية، في حين كانت مساهمة المصادر الجوفية ‏نحو 14 في المئة. لكن إذا استبعدنا الدول التي تجتازها الأنهار الكبرى، سنجد اعتماداً كبيراً من باقي الدول العربية على المياه ‏الجوفية. في شبه الجزيرة العربية تزيد مساهمة المصادر الجوفية في توفير الاحتياجات المائية عن 80 في المئة، وفي الأردن ‏ولبنان وتونس تبلغ أكثر من 50 في المئة‎.‎

ويتخوف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من زيادة الطلب على المياه الجوفية نتيجة تناقص المياه السطحية وتراجع نوعيتها. وفي ‏كثير من الحالات لا يتعلق الأمر بتكاليف ضخ المياه من التشكيلات الجيولوجية العميقة، بل في كونها مياهاً أحفوريةً غير متجددة ‏تجمعت في جوف الأرض قبل آلاف السنين‎.‎
تعتمد الدول العربية، لاسيما في دول شبه الجزيرة العربية والمغرب العربي، على المصادر الجوفية المتجددة وغير المتجددة ‏لتلبية الطلب المتزايد على مياه الشرب والري الزراعي. ويصل الأمر إلى درجة الاستنزاف كما في السعودية، التي تعتمد بنسبة ‏‏85 في المئة على المياه الجوفية غير المتجددة لري محاصيلها الزراعية‎.‎

 
المياه الجوفية غير المتجددة مصدر أساسي لري المزروعات في السعودية
‎ويتسبب ضخ المياه من المصادر الجوفية، بكميات تفوق معدلات تجددها، في استنزافها بسرعة، ويزيد من ملوحتها نتيجة ‏تداخلها مع مياه البحر. ويزيد الأمور سوءاً تعرض الموارد المائية الجوفية في معظم الدول العربية للتلوث الناتج عن الزراعة ‏وباقي الأنشطة البشرية‎.‎

ولا يقتصر استنزاف المياه الجوفية على تراجعها في الكم والنوع، بل يتسبب أيضاً بآثار بيئية سلبية واسعة مثل جفاف الينابيع ‏والعيون، وتراجع الموائل الطبيعية والنظم البيئية المحيطة، والإضرار بالمناطق ذات القيمة الحضارية والتاريخية المرتفعة، كما ‏أن الاستغلال المفرط للمياه الجوفية يستنزف أيضاً الأصول الوطنية، ويؤدي إلى تآكل الموارد الطبيعية للبلاد ويهدد استدامة ‏المناطق المروية في المدى البعيد‎.‎


مشاريع تحلية المياه تفرط في استهلاك الطاقة‎
 ومن بين الحلول المقترحة التي يمكن تطبيقها في العالم العربي لمواجهة العجز المائي التوجه نحو تحسين الكفاءة وتخفيف الهدر، ‏ورفع الإنتاجية الزراعية، واعتماد المزروعات التي تتطلب كميات أقل من المياه، ومعالجة مياه الصرف لاعادة استخدامها. ‏ويتلازم هذا مع زيادة الاستثمارات في حماية الأنظمة البيئية التي تعيد تدوير المياه كالمستنقعات والغطاء النباتي، بما فيها تغيير ‏الممارسات الزراعية التي تتيح احتفاظ التربة بالمزيد من الرطوبة والعناصر المغذية، وجمع مياه الأمطار، وإعادة ملء خزانات ‏المياه الجوفية، واستعادة السهول الفيضية، وتحويل الأسطح إلى حدائق‎.‎



ليست هناك تعليقات: