السبت، 19 مايو 2012

أزمة البحث العلمي في مصر!

أزمة البحث العلمي في مصر!

قراءة في برامج مرشحي الرئاسة من هذا المنظور

عمر الحياني - الجزيرة توك - القاهرة – خاص

 وسط توقعات متفائلة بزيادة ميزانية البحث العلمي في مصر عقب ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، ينظر الباحثون المصريون إلى البرامج الانتخابية للمرشحين لرئاسة البلاد بعين حذرة جراء سنوات طويلة من المعاناة في طلب دعم البحوث العلمية في مراكز وجامعات مصر.
خلال العقود الماضية شهدت مصر تراجعاً في حجم الانفاق العلمي، فوفق مركز معلومات مجلس الوزراء المصري، تبلغ نسبة الإنفاق الحكومي على البحث العلمي 0,2% من إجمالي الناتج المحلي بعد ان كانت 0,4%عام 1999م ، في ظل غياب شبه تام للقطاع الخاص عن المشاركة في الإنفاق خلافاً لما يجري في كثير من الدول.

البحث العلمي بعد الثورة المصرية

عقب نجاح الثورة المصرية كان تعيين الدكتور أحمد زويل رئيسا للمدينة التي تحمل اسمة (مدينة زويل للعلوم) احدى تجليات الثورة التي اتت لتغيير واقع لطالما كان نضال وحلم شعب مصر.
وقد خصصا مليارا دولار لإنشاء مدينة زويل للعلوم وفقا لتصريح سابق للدكتور زويل في المؤتمر السابع للإعلاميين العلميين الذي انعقد في قطر عام 2011.
العالم المصري احمد زويل
وفي سياق تصريحه لـ"الجزيرة توك" يؤكد منسق التعاون الاوربي وبرنامج البحوث والتنمية والابتكار في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبد الحميد الزهيري أنه "بعد الثورة بدأ الشعب يدرك أن البحث العلمي مكون أساسي من مكونات حياته، وأنه احدى الدعائم الأساسية لدفع عجلة الانتاج ودفع الاقتصاد والنمو الاقتصادي والتنافسية للدولة".

البحث العلمي في برامج المرشحين

من شهداء ثورة 25 يناير
الآن وبعد الاطاحة بالرئيس محمد حسني مبارك ونجاح ثورة 25 يناير، يخوض غمار المنافسة على رئاسة مصر 13 مرشحا تحتوي برامجهم اختلافات شتى في التوجه السياسي والتنموي.
مجهر مصغر سوف نضع القارئ خلفه لينظر إلى مدى أولوية البحث العلمي في البرامج الانتخابية لبعض أبرز هؤلاء المرشحين.
يقول الباحث في المركز القومي للبحوث الدكتور باسم نبوي في حديث مع "الجزيرة توك": "تراوحت مكانة البحث العلمي في أجندات مرشحي الرئاسة ما بين وعود جادة تخاطب العقل والقلب وأخرى براقة أشبه بقلادات تعلق على الصدر بغرض التزين، فاشتد بريقها لدى البعض وسقطت من البعض الآخر" .
 برنامج المرشح الاسلامي المستقل عبد المنعم ابو الفتوح يتعهد زيادة دعم التعليم بـ 25 % من دون تخصيص بند واضح للبحث العلمي.
بينما يؤكد برنامج المرشح عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية سابقاً، زيادة مخصصات أنشطة البحث العلمي والابتكار من ٠٫٢٤ % من الناتج المحلي الإجمالي حالياً إلى ٢% بحلول ٢٠١٦، ويتعهد كذلك إعادة هيكلة الانفاق للتركيز على الأنشطة العلمية التطبيقية.
في المقابل، يحمل برنامج حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الاخوان المسلمين تناقضاً مع برنامج مرشحه للانتخابات الرئاسية، حيث يؤكد الحزب في برنامجه الانتخابي ضرورة زيادة مخصصات البحث العلمي من الدخل القومي العام بصورة تدريجية لتصل إلى 2,5% بحلول 2016.
بينما يخصص برنامج مرشح الحزب محمد مرسي، وعنوانه "مشروع النهضة"، زاوية سميت "ملفات خاصة " من ضمنها دعم البحث العلمي، من دون أي تفصيل.
مرشحي الرئاسة المصرية 
وهذا هو طرح المرشح اليساري حمدين صباحي ذاته في برنامجه الانتخابي الذي اكتفى بإعادة ترتيب أولويات الموازنة العامة للدولة بحيث يتصدرها الإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي.
هل رفع نسبة البحث العلمي من الناتج القومي الي 2 % او 2،5% تدريجيا أو بحلول 2016 في البرامج الانتخابية للمرشحين يعد مجديا؟ اذا كانت "إسرائيل" بمواردها المحدودة تخصص 2,5% من ناتجها القومي للبحث العلمي فأين دعم البحث العلمي الحقيقي إذا كان المتوسط العالمي يبلغ 1.2٪ من الناتج الاجمالي.

لماذا تراجع البحث العلمي في مصر؟

 تراجع مركز مصر العلمي في مؤشر جودة مراكز البحث العلمي عام خلال عامي 2010- 2011 لتحتل المرتبة 112 من بين 142 دولة على مستوى العالم بعد أن كانت تحتل المركز 110 من بين 139 دولة خلال عام 2009 – 2010, وفقا للتقرير الصادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ المصري يعد مؤشرا خطيرا، على الرغم من توفر الكوادر العلمية في مصر مقارنة بدول الشرق الاوسط ، وامتلاكها حوالي 40 مركزا للبحث العلمي.
دكتور عبد الحميد الزهيري
يبرز الزهيري أسباب تراجع البحث العلمي في مصر بقولة "ضآلة الاعتمادات المالية المخصصة للبحوث العلمية، ووجود هوة واسعة بين الباحثين والمنتجين ومراكز البحث تعد أبرزها".
ويضيف "ان مشكلة عدم وجود تشريعات قانونية تنظم العلاقة بين اطراف العلمية البحثية (مراكز البحث – القطاع الصناعي – الباحثين )، وغياب الحافز المادي للباحثين، بالإضافة عدم وجود سياسات ومنهجيات واضحة لدى صانعي القرار في دعم البحث العلمي ودمج ذلك بالتفاعل المجتمعي".
ولنعد مرة اخرى للبرنامج الانتخابي لأبو الفتوح وتأكيده "أن وضع البحث العلمي ليس جزء من سياسات التعليم، ولكن كجزء من سياسات الامن القومي، وبما يجعل قطاع البحث العلمي جزء أساسي للإنتاج الاقتصادي والاستثمار الاجتماعي".

إضافة الي تنويه برنامجه إلي دعم بحوث الطاقة والزراعة ورفع التعاون المستقبلي مع دول الجنوب كإيران والصين والبرازيل واليابان.
هذا برنامج أبو الفتوح في دعم البحث العلمي كاملا ، فهل يعد مقبولا ويفي بالطلب، مدير ادارة المعلومات والاتصال ببرنامج البحوث والتنمية والابتكار بوزارة البحث العلمي في مصر ريم عوض تقول "إن برامج المرشحين لدعم البحث العلمي تكاد تكون معدومة إلا ما ندر".
وهو ما ذهب إليه الزهيري بقوله: "برامج المرشحين تفتقر للدعم الصريح لبرامج البحث العلمي.. انها مجرد حيز صغير في البرامج الانتخابية، على الرغم من تأكيداتهم المتكررة ان البحث العلمي له الأولوية".
ولعل برنامج عمرو موسى كان أكثر وضوحا في تضمين برنامجه الانتخابي جزئية مهمة من خلال تأكيده إن البحث العلمي وتطبيقاته هو أحد أهم وسائل تعظيم إنتاجية وتنافسية الاقتصاد وقطاعاته، وخلق صناعات ومنتجات وخدمات جديدة تساهم في ايجاد فرص العمل، وتزيد فرص مصر في حجز مكان لائق على خريطة العلم والتكنولوجيا العالمية.
فوفقا للدكتور الزهيري "ان الدول الغربية تعرف ان امتصاص البطالة وخلق فرص عمل حقيقة يتم من خلال البحوث العلمية والابتكارات المميزة، وهو ما نفتقر إليه في مصر".

 وفي ظاهرتين مختلفتين لمرشحي الرئاسة، يظهر أحمد شفيق بدون برنامج انتخابي بالرغم من بدء الحملة الانتخابية، وهو المرشح الوحيد الذي لا يحمل أي برامج انتخابية حتى الآن!، أما المرشح محمد سليم العوا فقد بنى برنامجه الانتخابي على 6 محاور و قدمه في صورة حلقات فيديو، تطرق المرشح للبحث العلمي في محور الاقتصاد عن طريق "دعم مشروعات الطاقة الشمسية وتحلية المياه والتعاون مع الدول المتقدمة" بينما أغفل كافة مجالات البحث العلمي الأخرى.
"قدم البعض برامج انتخابية حرفية ومتوازنة بينما استفاض البعض الاخر بشدة وعمد الي مغازلة البحث العلمي كوجاهة اجتماعية وفي الجانب الاخر يظهر بعض المرشحين وقد تناسى دور البحث العلمي في خدمة المجتمع " هكذا يقول الباحث باسم نبوي.

البحث العلمي طريق الخروج من عنق زجاجة الركود


دخلت فنلندا خلال العقدين الماضيين في ركود اقتصادي مرتين، إحداهما في الثمانيات من القرن الماضي والأخرى خلال العقد الاول من القرن الواحد والعشرين، وقد قامت بتخفيض الدعم الصحي والضمان الاجتماعي والمعاشات وبنود أخرى لكنها سعت الي زيادة الدعم المالي للبحث العلمي لأنه الطريق الأسلم للخروج من الازمة الاقتصادية والركود.
هذا مثال يوضح أهمية زيادة الانفاق على البحوث العلمية التطبيقية، للخروج من الازمات الاقتصادية وزيادة المنافسة الانتاجية وتحقيق نمو اقتصادي مستمر.

الإنفاق على البحوث العلمية لا يحتاج زيادة في التمويل فقط بل الي خطط واستراتيجيات طويلة الامد وقصيرة الامد حتى نصل الي تنمية شاملة ونمو مستدام.
"إن التنمية السريعة رفاهية لا يقدر عليها قطاع التعليم والبحث العلمي، هذه التنمية السريعة في يد وزارة الصناعة، البحث العلمي يحتاج الي نفس طويل، وخطط طويلة وقصيرة المدى وعلى عدة محاور"، وفقا للزهيري.
وفي الرؤية المستقبلية لوزارة البحث العلمي يؤكد الزهيري "انه منذ عام 2007 سعت وزارة البحث العلمي إلى دعم خطط وبرامج التخاطب العلمي والتعليم العلمي خارج المحتوى الدراسي، وإشراك المجتمع في التوعية العلمية وترسيخ الشغف بالعلوم لدى الشباب والأطفال وإشراكهم في رسم السياسة العلمية للمجتمع في مصر " .

الاثنين، 2 أبريل 2012

التهاب الكبد الوبائى مرض صامت يهدد ملايين العرب




التهاب الكبد الوبائى مرض صامت يهدد ملايين العرب

    كتب - سارة مطر(لبنان) نجاة شناعة (الأردن) محمد السيد علي (مصر) عمر الحياني (اليمن): 


هل أنت ممن يعانون  مرضاً مزمناً  يتعايشون معه كالسكر أو الضغط . هل  بدأت بإنكار المرض؟ أم رضيت بالواقع وتقبلت الدواء وإتباع الحميات الغذائية؟ ماذا لو كان هذا المرض ليس مزمنا فقط، بل قاتلا أيضا وليست له أية أعراض ومخبأ في جسدك  ثلاثين عاماً، كالتهاب الكبد الوبائي؟. ماذا لو كانت الطامة أدهى وأمر، وهي انك تعيش في بلد عربي ذات دخل محدود ورعاية صحية ضعيفة؟!

 قصص مرضى  التهاب الكبد الوبائي في الوطن العربي تكشف جوانب من مآسي حياتهم المليئة بالألم والأمل بحصولهم على علاج  يخفف ما حل بهم.

معاناة يومية وعلاج باهظ

 يقبع مرضى  التهاب الكبد الوبائي في قاعات  الانتظار، ينتظرون بصيص أمل ، ويأملون في إيجاد العقار الشافي لهذا الداء الذي يسري في أكبادهم بكل هدوء.

قصصهم تبكي وتحزن. بعضهم عجز فلجأ إلى ركن قصي من داره  يعد ساعات الانتظار للحظة الوداع الأخيرة، والبعض الآخر  ما زال يكافح بما تبقى له من قوة.

يروي العامل المصري  حامد عبد المجيد أنه فرح كثيراً حين وجد له صديقه   فرصة عمل مناسبة في إحدى الدول الخليجية حتى  يتمكن من الإنفاق على أسرته  الصغيرة. "لكن فرحتي لم تكتمل، فأثناء توقيع الكشف الطبي اللازم لوثائق السفر اكتشفت بالصدفة أني مصاب بفيروس الكبد الوبائيC".

أفاق حامد البالغ من العمر 39 عاما من حلمه على كابوس ينتظره. فكلفة علاج هذا الفيروس باهظة ، حيث يحتاج المريض إلى حقنة "إنترفيرون" أسبوعية ثمنها 700 جنيهاً (نحو  116دولار) وعليه أن ينتظر في طابور طويل لكي يحصل على هذا العلاج، الذي يستغرق بين 6 أشهر و12 شهرا. وهو  يعالج على نفقة الدولة، نظرا لظروفه الاقتصادية الصعبة.

حالة حامد  تمثل نموذجاً عن آلاف المصريين الذين يكتشفون هذا الفيروس الخطير بالصدفة. فهذا المرض يظل يعمل في صمت داخل جسم الإنسان لفترة قد تفوق  30 عاماً، وفق الدكتور سعيد شلبي أستاذ أمراض الكبد  في المركز القومي للبحوث حينما حدثناه عن حالة حامد.

وأضاف شلبي أن كثيراً من المتعايشين مع الفيروس يفضلون عدم العلاج، على اعتبار أنه فيروس كامن ولا يشعرون بخطورته في بادئ الأمر، ولارتفاع  كلفة علاجه . ويشار إلى أن الفقراء  يمثلون قطاعاً كبيراً من المصابين بهذا الفيروس، نظرا لانتشار الثقافات الخاطئة نتيجة قلة الوعي الصحي  في المجتمعات الفقيرة . فالإصابة قد تأتي عن طريق نقل الدم ومشتقاته وأدوات الأسنان غير المعقمة وأدوات الحلاقة الملوثة بأي نسبة من الدم.

وأشار شلبي إلى أن حقن "إنترفيرون" لا تناسب مرضى فيروس C في حالاته المتأخرة وعند حدوث تليف  في الكبد، موضحاً أنه "مع تلك الحالات نستخدم بدائل علاجية أخرى كالعلاج بالأوزون والأعشاب الطبية".

وأضاف أنه  يحقق جانب من مبدأ العدالة الاجتماعية في مصر كأولى نتائج ثورة 25 يناير عبر توفير علاج  "انترفيرون" الأجنبي والمصري للمريض، بحيث يختار هو وطبيبه الأنسب للعلاج مجاناً عبر اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية التابعة لوزارة الصحة.

وأشار شلبي إلى أن أغلب مرضى الفئة C من الفيروس يحتاجون إلى متابعة مستمرة بعد العلاج، وأنها سوف تتم أيضا على نفقة الدولة. كما تدعم وزارة الصحة علاج جميع الأمراض المزمنة التي تسبب بها الفيروس .

ولا يختلف الوضع في اليمن عنه في مصر، حيث يقول موفق عبد الغني الذي أصيب بالفئة B من الفيروس : "اكتشفت المرض أثناء زيارة اعتيادية للطبيب حيث كنت أشكو من الألم و انتفاخ في البطن والحمى، ما استدعى  إجراء فحوص شاملة اكتشفت على آثرها إصابتي  بفيروس الكبدB  ".

ويواصل شكواه بمرارة قائلاً: "إن إصابتي بهذا المرض اثر في حياتي، فقيمة الأمصال تصل إلى 35000 ريال يمني (نحو 150 دولار أميركي)  بعد دعمه من قبل وزارة الصحة بنصف المبلغ". ويتابع: "قمت ببيع ذهب زوجتي لكي أتمكن من توفير قيمة الأمصال العلاجية  المطلوبة للقضاء على الفيروس و إجراء الفحوص التي تتطلب متابعة مستمرة".

في لبنان، يروي يوسف (42عاما)، الذي اكتشف مؤخرا إصابته بالتهاب الكبد من فئة"C ، معاناته مع المرض. ويقول: "معاناتي لا توصف، أشعر بتعب ووهن شديدين عدا الأرق والانهيارات العصبيّة الدائمة، وقد اعتاد جسمي على الحقن بمعدل 52 حقنة خلال عام. كما أنني خسرت 15 كيلوغراما من وزني".


والحال نفسها بالنسبة إلى زياد (50 عاما)، الذي اكتشف إصابته بالتهاب الكبد  Bعن طريق الصدفة أثناء خضوعه لفحوص عامة. يعرب زياد، الذي عاد من الولايات المتحدة الأميركية عام 1993 بعد 14 عاما من الهجرة، عن انزعاجه من عوارض هذا الفيروس. ويقول: "أشعر بتعب جسدي دائم وبالقلق الشديد عند تناول الكحول أو حتى بعض أنواع الطعام، إضافة إلى ما أعانيه من أوجاع في الرأس والمفاصل والعيون وحساسية وعوارض غريبة عجيبة. إلا أنني أتأمل خيرا في الشفاء وأنظر إلى الحياة بشكل إيجابي".

اليمن ومصر الأعلى عربياً

تشير أرقام "منظمة الصحة العالمية"، التي تحيي سنوياً في الثامن والعشرين من تموز/يوليو يوم التوعية حول مرض التهاب الكبد الوبائي، إلى تعايش شخص واحد من أصل اثني عشر  في العالم مع المرض من الفئتين B وC، وإلى وجود ملياري مصاب بالفئة B حول العالم و 350 مليون شخص يتعايشون معه. أما في منطقة الشرق الأوسط، فنحو 2 إلى 5 في المئة من السكان مصابون بالتهاب الكبد الوبائي (من جميع الفئات). وتلحظ أرقام "التحالف العالمي لالتهاب الكبد" وجود مئة وسبعين مليون شخص مصاب بفيروس التهاب الكبد من فئة C ومهدد بالإصابة بتشمع أو سرطان الكبد، ووفاة أكثر من 350 ألف شخص سنوياً نتيجة هذا الفيروس الصامت والأكثر انتشاراً وفتكاً من مرض نقص المناعة  المكتسبة ( إيدز).
رسم تخطيطي يوضح حجم الاصابة بامراض الكبد في اليمن -مصر-لبنان-الاردن
 ويسجل الفيروس C معدلات عالية في كل من اليمن  ومصر ، أما فيروس B فيؤدي إلى وفاة نحو 600 ألف شخص سنوياً. وهو مستوطن في الصين وأنحاء أخرى من قارة آسيا.  ويعد سرطان الكبد الناتج عن فيروس B من الأسباب الثلاثة الأولى للوفاة بالسرطان عند الرجال وسببا رئيسيا للسرطان عند النساء.
 ويصاب 1.4 مليون شخص بفيروس الكبد A  سنوياً. ويرتفع المعدل في البلدان النامية التي تفتقر إلى الرعاية الصحية، حيث تصل الخطورة إلى أكثر من 90 في المئة.

بينما في البلدان النامية التي تشهد تحولات اقتصادية وتحسنا في الظروف الصحية، وتنخفض نسبة الإصابة به في البلدان المتقدمة.

وحدها الأرقام تكشف حجم الكارثة الصحية التي تحيط بالشعوب العربية، . ففي اليمن ترتفع نسبة الإصابة لتطال 25 في المئة من السكان البالغ عددهم 23 مليون نسمة، وهي الأعلى عربياً. وتشير الإحصاءات إلى أن 75 في المئة من السكان مهددون بالإصابة بأمراض منقولة عن طريق المياه، وأن ثلاثة ملايين مصابون بالتهاب الكبد B نتيجة استهلاك مياه غير نظيفة. وذلك حسب دراسة للدكتور محمد سالم نعمان، أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي في كلية الطب في جامعة صنعاء ورئيس وحدة الكبد في المستشفى الجمهوري التعليمي نشرت عام 2007م.

في مصر، وحسب تصريح لعمرو حلمي، وزير الصحة والسكان السابق أواخر أكتوبر الماضي،  يشكل المصابون بفيروس C  10 في المئة من عدد سكان مصر،  ما جعلها من بين أكثر دول العالم إصابة بالمرض. وحسب آخر إحصائيات أصدرتها وزارة الصحة المصرية، فإن هناك 8 ملايين مصري مصابون بفيروس C، وحوالي 4 ملايين يعانون من التهاب كبدي مزمن يتطور في 20 في  المئة من الحالات إلى التليف ويتحول في 5 في المئة من الحالات إلى سرطان. وتزيد العدوى مع التقدم في السن، فمعدل إصابة الصغار  تتراوح من 2 إلى 4 في  المئة، بينما تصل العدوى مداها عند سن 50 عاماً، كما أن الرجال أكثر عرضة للإصابة من  النساء .

وحسب دراسة  نشرتها دورية "بروسيدنج أوف ذي ناشيونال أكاديمي أوف ساينس" في أغسطس 2010  تشهد مصر نحو 537 ألف إصابة سنوياً، بنسبة سبعة من كل ألف مصري.

وفي الأردن، بلغت نسبة الإصابة 10% من السكان، وفقا لما جاء في المؤتمر الدولي عن   التهاب الكبد الوبائي العالمي، الذي عقد في العاصمة الفرنسية باريس عام 2010م .

أما لبنان، فكان صاحب النصيب الأقل، حيث ترجّح التقديرات إصابة 1 إلى 2 في المئة من السكان  بالفيروس B . وهو معدل منخفض مقارنة ببعض الدول العربية وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية. في حين أن نسبة المصابين بالتهاب الكبد C أقل بكثير، حيث تسجل إصابة واحد من كل ألف، حسب رئيس قسم الجهاز الهضمي والكبد في المركز الطبّي التابع للجامعة الأميركية في بيروت البروفسور علاء شرارة.

 وأكد منسق البرنامج الوطني لمكافحة فيروس الكبد الوبائي في وزارة الصحة اللبنانية الدكتور أنطوان أبو راشد أن "2 في المئة من اللبنانيين يعانون   التهاب الكبد B، في حين يعاني أقل من 0.5 في المئة من التهاب الكبدC ، الذي يسجل أعلى معدلاته عند متعاطي المخدرات. وتظهر الدراسات أن بين 10 إلى 30 في المئة منهم مصابون بالفيروسC ، وهذا حال مختلف البلدان".

طرق الانتشار والوقاية

قد تبدو المعاناة والأرقام متقاربة أحياناً في انتشار فيروس التهاب الكبد الوبائي، لكن الأسباب  متعددة.  في مصر، ترجع جذور انتشار فيروس C إلى  حملة واسعة النطاق قامت بها وزارة الصحة والسكان ومنظمة الصحة العالمية (WHO) خلال فترة الخمسينات وأوائل الثمانينات للسيطرة على مرض البلهارسيا. وخلال تلك الفترة جرى علاج ملايين الأشخاص عن طريق الحقن في الوريد بـ"طرطرات البوتاسيوم الأنتومنية" (الدردي المقيء). ورغم  نجاح تلك الحملة في علاج البلهارسيا، لكن مساوئها كانت أكبر. فقد تسببت إعادة استخدام الحقن الزجاجية والإهمال في التعقيم في انتشار عدوى فيروس التهاب الكبد الوبائي على نطاق واسع. ومع حلول التسعينات من القرن الماضي حل فيروس الكبد في الصدارة بديلا عن البلهارسيا.

أما انتشار الفيروس في اليمن فقصته غريبة ومختلفة. فأوراق شجرة القات التي يتناولها اليمنيون يومياً ابتداء من منتصف النهار إلى بعد منتصف الليل عن طريق مضغها والاحتفاظ بها في الفم لفترة تتراوح بين ساعتين و 10 ساعات هي احد أسباب انتشار الفيروس.

وتكمن المعضلة في كمية المبيدات السامة التي استخدمها المزارع اليمني في زراعة شجر القات. ومع بروز أغصان القات يتم قطفها قبل مرور الوقت المسموح لتناولها، ما يجعلها العدو الأول لأكباد اليمنيين والمتهم الأول في إصابة 25  في المئة منهم بالفيروس B.

 وحذر نعمان في دراسته من خطورة الاستمرار في تعاطي القات، معتبراً أن ما يزيد الموقف تعقيدا هو ما يقال للمرضى أثناء جلسات الأهل والأصدقاء، وأحيانا من قبل أطباء غير متخصصين، من معلومات غير دقيقة وانطباعات وتعليمات خاطئة.

أما في لبنان، فحذر أبو راشد  من "خطورة عالية تحيط بمتعاطي المخدرات ومثليي الجنس و الناشطين جنسياً". وهذا ما دفع وزارة الصحة اللبنانية إلى تنظيم حملات توعية وتوزيع المنشورات والواقي الذكري.

وإذ كشف أن "فيروس  B ينتشر بكثرة في محافظتي الجنوب والنبطية نتيجة الهجرة إلى دول أفريقية وانتقال العدوى عبر العلاقات الجنسية غير المحمية "، أوضح أبو راشد أن "نسبة الإصابة تتراوح بين 3 و 4 في المئة، وهي أعلى بقليل من باقي المحافظات اللبنانية. أما فيروسC  فمنتشر في المناطق كافة".

بدوره، أكد شرارة أن "احتمال انتقال فيروس C  ضئيل، وهو أقل من 1 في المئة، حيث أنه لا ينتقل بالممارسة الجنسية العادية إنما بالممارسة غير المحمية،  خلافاً للنوع B ".

وشدّد أبو راشد على أن "انتقال إلتهاب الكبد B  أو C  عبر الدم شبه معدوم، لأن جميع المستشفيات تجري فحوص لهذين النوعين قبل إعطاء الدم لأي مريض"، مشيراً إلى أن "النوع الأكثر انتشارا في لبنان هو B. أما طريقة انتقاله فهي إما من الأم إلى الجنين أو نتيجة علاقة جنسية أو تعاطي المخدرات. لكن  من حيث المبدأ، لا يجب أن تسجل حالات انتقال من الأم إلى الجنين، لأن الشريكين باتا يخضعان لفحوص الفيروس قبل الزواج".

وكشف أن لبنان يعدّ من أقل البلدان العربية تسجيلاً للإصابات.

ولفت أبو راشد إلى "كثرة انتشار التهاب الكبد A ، خصوصاً بين الأولاد، لكنهم سرعان ما يشفون منه، إذ أن هذا النوع لا يتحول إلى التهاب مزمن". كما أوضح شرارة أن هذا النوع "لا يعتبر مرضا مزمنا، على الرغم من انتشاره في بلدان العالم الثالث، الا أنه طفيف مثل الرشح".

وفي الأردن، تبرز إشكالية التلوث بالمياه ـ. ويروي صاحب مؤسسة لتنظيف خزانات المياه في الأردن العديد من الغرائب والقصص التي تصادفه في عمله، وتتنوع فيها مشاهداته داخل الخزانات ما بين ديدان وفئران ميتة. ويحذر خبير المياه المهندس محمد أبو طه من أن إهمال تنظيف الخزانات يعرض المياه إلى عوامل بيولوجية تلوثها وتؤثر على صحة مستخدميها، خصوصاً لمن يعتمد عليها في الشرب. ووفق أبو طه فإن خزان مياه ملوث يعني احتمال انتشار أنواع من البكتيريا أو الطفيليات أو الفيروسات تنتقل إلى جسم الإنسان مسببة له العديد من الأمراض التي قد تبدأ بالكوليرا ولا تنتهي عند التهاب الكبد الوبائي.

ووفق مدير الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة الأردنية الدكتور بسام الحجاوي، فإن لأمراض الكبد خطورة تتمثل في مضاعفاتها، ما لم تتم معالجتها على نحو جيد وفي الوقت المناسب،  خصوصاً تشمع الكبد.

لقد أصبح العالم العربي مستنقعاً وبائياً لفيروس التهاب الكبد الوبائي، يهدد ملايين الأشخاص بالموت البطيء مخلفاً قصصاً مأساوية وكاشفاً مدى تدهور الوضع الصحي والوعي المجتمعي. لذلك.

إن الوقاية ممكنة، فالدعوات إلى وضع سياسات رسمية  للقضاء على هذا الوباء من خلال نشر الوعي المجتمعي وتقديم الخدمات النوعية في المجال الصحي، هو الطريق الأنسب للقضاء على هذا الوباء .