السبت، 9 فبراير 2019

ما هي الدول التي تستهلك أكبر كميات من اللحوم؟


توجّه العديد من الغربيين في الآونة الأخيرة نحو خفض كميات اللحوم التي يتناولونها، أو حتى التخلي عن تناول اللحوم كلياً.
هذا التوجه يمثل جزءاً من محاولات يقوم بها الناس تهدف إلى تحسين صحتهم العامة وتقليل آثارهم السلبية على البيئة مراعاة حقوق الحيوانات.
فثلث البريطانيين يدّعون أنهم توقفوا عن تناول اللحوم كلياً أو قللوا من تناولها، بينما يقول ثلثا الأميركيين إنهم يتناولون الآن كميات أقل من نوع واحد من اللحوم على الأقل.
يعود الفضل لهذا التوجه، بشكل جزئي على الأقل، إلى مبادرات جماهيرية كحملات التخلي عن تناول اللحوم أيام الإثنين والتخلي عنها في شهر كانون الثاني (يناير) التي أطلق عليها اسم (Vegenuary) وفي ذات الوقت، يؤكد عدد من البرامج الوثائقية ودعاة التخلي عن تناول المنتجات الحيوانية على المنافع المترتبة على تناول كميات أقل من اللحوم.

ولكن هل كان لهذه المشاعر أثر حقيقي على أرض الواقع؟

دخول متزايدة
ما نعرفه أن وتيرة استهلاك اللحوم ارتفعت بشكل سريع في السنوات الـ 50 الماضية.

فكميات اللحوم المنتجة اليوم تبلغ خمسة أضعاف الكميات التي كانت تنتج في أوائل ستينيات القرن الماضي، أي أنها ارتفعت من 70 مليون طن إلى أكثر من 330 مليون طن في عام 2017.
  

أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو الزيادة الكبيرة في عدد السكان.

ففي تلك الفترة من ستينيات القرن الماضي إلى الوقت الحاضر، زاد عدد البشر إلى أكثر من الضعف. ففي أوائل الستينيات لم يتجاوز عدد سكان الأرض 3 بلايين نسمة، أما اليوم فيبلغ عددهم نحو 7,6 بليون.

ولكن إذا كان لهذه الزيادة أثر في زيادة استهلاك اللحوم، إلا انها ليست التفسير الوحيد لسبب زيادة استهلاك هذه المادة إلى خمسة أضعاف.

أحد العناصر الأخرى لهذه الظاهرة هو ارتفاع المدخول.

فالبشر حول العالم زادوا ثراءً، إذ تضاعف مستوى الدخل العالمي أكثر من ثلاث مرات في غضون نصف القرن الماضي.

وعندما نقارن أنماط الاستهلاك في دول مختلفة، نرى أنه على العموم يستهلك البشر كميات أكبر من اللحوم كلما زاد مدخولهم.

فالموضوع لا ينحصر في زيادة عدد البشر، ولكن أيضاً في زيادة عدد أولئك الذين لهم القدرة على تناول اللحوم.

هناك علاقة واضحة بالثراء عند النظر إلى أنماط استهلاك اللحوم في الدول المختلفة.

ففي عام 2013، وهو آخر عام تتوفر منه الاحصاءات، تصدرت الولايات المتحدة وأوستراليا قائمة الدول فيما يتعلق بالاستهلاك السنوي للحوم. فإلى جانب نيوزيلندا والأرجنتين بلغ معدل ما يستهلكه الفرد الواحد في هذين البلدين أكثر من 100 كيلوغرام، أي ما يعادل 50 دجاجة أو نصف بقرة لكل فرد.

وهذا سياق نراه في معظم دول الغرب، إذ يستهلك الفرد في معظم دول أوروبا الغربية بين 80 إلى 90 كيلوغرام من اللحوم سنوياً.

ولكن على الجانب الآخر من الطيف، نرى أن كثيراً من الدول الأكثر فقراً لا تستهلك إلا كميات قليلة جداً من اللحوم.




فالمواطن الأثيوبي العادي على سبيل المثال لا يستهلك أكثر من 7 كيلوغرامات فقط من اللحوم سنوياً، والرواندي 8 كيلوغرامات والنيجيري 9 كيلوغرامات، وهي كميات أقل عشر مرات مما يستهلكه الانسان الأوروبي العادي.

فتناول اللحم ما زال نوعاً من أنواع الترف بالنسبة لسكان الدول ذات الدخل المحدود.

تمثل هذه الأرقام كمية اللحوم المتوفرة للاستهلاك لكل فرد، ولكنها لا تعكس كميات اللحوم التي تبذّر في المساكن أو في الأسواق. ففي الحقيقة، لا يتناول الناس كميات أقل بقليل من ذلك، ولكن مع ذلك يمكن النظر اليها على انها تقديرات قريبة من الواقع.

الدول متوسطة الدخل هي التي تقود الطلب على اللحوم
من الواضح أن الدول الأكثر ثراءً تستهلك الكثير من اللحوم، بينما تستهلك الدول الفقيرة كميات أقل بكثير.

هذا ما كان عليه الحال منذ أكثر من 50 عام، اذاً لماذا نتناول، بشكل جماعي، هذه الكميات الكبيرة اليوم؟

هذا التوجه تقوده إلى حد كبير مجموعة متنامية من الدول ذات المدخول المتوسط.

فالدول التي شهدت نمواً اقتصادياً كبيراً في العقود الأخير، كالصين والبرازيل، شهدت أيضاً زيادات كبيرة في استهلاك اللحوم.



ففي كينيا مثلاً، لم يتغير نمط استهلاك اللحوم منذ عام 1960
.

لنقارن ذلك بالصين على سبيل المثال، التي كان استهلاك المواطن العادي فيها من اللحوم في ستينيات القرن الماضي لا يتجاوز أكثر من 5 كيلوغرامات. بنهاية ثمانينيات القرن العشرين ارتفع معدل استهلاك المواطن الصيني من اللحوم إلى 20 كيلوغرام. وفي العقود الأخيرة ارتفع هذا الرقم إلى أكثر من 60 كيلوغرام.

الشيء نفسه جرى في البرازيل، التي تضاعف فيها استهلاك اللحوم منذ عام 1990، وهو ارتفاع تجاوز كل الدول الغربية تقريباً.

ولكن الهند كانت من الاستثناءات البارزة.

فبينما تضاعف معدل الدخل ثلاث مرات منذ عام 1990، لم يواكب ذلك ارتفاع في استهلاك اللحوم.

ويعتقد كثيرون بأن أغلبية الهنود نباتيين، ولكن استطلاعاً للرأي أجري مؤخراً بيّن بأن ثلثي الهنود يتناولون اللحوم ولو بكميات قليلة.

مع ذلك، لم يزداد استهلاك اللحوم في الهند. فمعدل الاستهلاك الذي لا يتجاوز 4 كيلوغرامات للشخص الواحد سنوياً يعد الأقل في العالم. يعزى ذلك إلى عوامل ثقافية ودينية بالنسبة لبعض الهنود.

هل يتضاءل استهلاك اللحوم في الدول الغربية؟
يقول العديدون في أوروبا وأميركا الشمالية إنهم يحاولون الحد من كميات اللحوم التي يتناولونها. ولكن هل هم يفعلون ذلك فعلاً؟

كلا، حسب ما تقول الاحصاءات.

فحسب آخر احصاءات وزارة الزراعة الأيركية، ارتفعت كمية استهلاك اللحوم للشخص الواحد في السنوات الأخيرة.

وبينما نعتقد أن اللحوم بدأت تفقد شعبيتها، بلغ استهلاكها في الولايات المتحدة في عام 2018 أعلى مستوى منذ عقود.

وهذا الأمر مشابه لما هو عليه في دول الاتحاد الأوروبي.


  
من الملاحظ أنه في الوقت الذي نرى فيه أن معدل استهلاك اللحوم في الدول الغربية ثابت، أو يزداد قليلاً، فإن أنواع اللحوم المستهلكة تتغير.

فالمستهلكين يتناولون كميات أقل من اللحوم الحمراء، من بقر وخنزير، وكميات أكبر من الدجاج وغيرها من الطيور.

ففي الولايات المتحدة، أصبح استهلاك الدجاج يمثل نصف ما يستهلك المواطنون من اللحوم، بعد أن كان في سبعينيات القرن الماضي لا يمثل إلا الربع.

قد يكون لهذا التطور أثراً محموداً للصحة العامة والبيئة.

تأثير اللحوم
قد يكون تناول اللحوم مفيداً في بعض الحالات.

فتناول كميات معقولة من اللحوم ومنتجات الألبان قد تعود بالنفع لصحة البشر، وخصوصاً في الدول ذات الدخول المتدنية حيث تفتقر الأغذية إلى التنوع.

ولكن في العديد من الدول الأخرى، يتجاوز استهلاك اللحوم المنافع الغذائية الأساسية لهذه المادة.

ففي حقيقة الأمر، قد يكون لتناول اللحوم مضار صحية. فقد ربطت العديد من الدراسات الافراط في تناول اللحوم الحمراء والمعالجة بارتفاع مخاطر الاصابة بأمراض القلب والجلطات وأنواع من السرطانات.

وقد يكون استبدال هذه اللحوم بلحوم الدجاج والخنازير خطوة ايجابية في تجنب هذه الأمراض.

كما سيكون لعملية الاستبدال هذه أثراً إيجابياً بالنسبة للبيئة، فالبقر على وجه الخصوص ليست من أكثر الوسائط كفاءة في تحويل العلف إلى لحم.

فمقارنةً بالدجاج، البقر أكثر ضرراً في مجالات استخدام الماء والأرض والانبعاثات الكربونية بنسبة 3 إلى 10 مرات من الدجاج. أما الخنازير، فتأثيرها يقع بين الإثنين.

وسيقتضي التوصل إلى مستقبل يسوده استهلاك مستدام للحوم حول العالم اجراء تغييرات جذرية، ليس فقط في أنواع اللحوم المستهلكة بل في كمياتها أيضاً.

خلاصة القول إنه قد ينبغي أن تصبح اللحوم مرة أخرى من السلع الكمالية. (عن ("BBC")-  
مجلة البيئة والتنمية - لبنان 


الخميس، 7 فبراير 2019

تناول وجبة الفطور لا يساعد على إنقاص الوزن!


من يسعى إلى إنقاص وزنه عليه أن يتناول وجبة فطور شاملة ويكتفي بوجبات متواضعة طيلة بقية اليوم. هذا الاعتقاد شائع بين كثير من الناس ممن يطمحون إلى إنقاص وزنهم. لكن تحليلا راجع مجموعة من الدراسات السابقة أدحض ذلك.

أظهرت مراجعة لمجموعة من الدراسات أن الفكرة الشائعة عن أن عدم تناول وجبة الإفطار يسهم في اكتساب الوزن لا تعني أن تناول الوجبة الصباحية قد يساعد في فقدان الوزن.
وفحص الباحثون بيانات 13 دراسة، شملت تجارب سريرية معظمها في الولايات المتحدة وبريطانيا خلال 30 عاما، تناول بعض المشاركين فيها وجبة الفطور بينما لم يتناوله باقي المشاركين. وتوصلت المراجعة إلى أن الذين تناولوا الوجبة الصباحية اكتسبوا مزيدا من السعرات الحرارية والوزن أكثر ممن تجاهلوا هذه الوجبة.
ربما تكون نتائج الدراسة صادمة لمن يحاولون اتباع نظام غذائي معين لإنقاص الوزن، إذ أفادت بأن من تناولوا وجبة الإفطار اكتسبوا 260 سعرة حرارية في المتوسط يوميا أكثر ممن تجنبوا هذه الوجبة. كما زادت أوزانهم بمقدار 0.44 كيلو غرام في المتوسط.
الفطور.. أهم وجبة؟
وقالت فلافيا سيكوتيني كبيرة الباحثين في الدراسة الجديدة، وهي من جامعة موناش في ملبورن بأستراليا، إن "هناك اعتقاد بأن الفطور هو أهم وجبة في اليوم... لكن الوضع ليس كذلك".
وأضافت في رسالة بالبريد الإلكتروني "السعرات الحرارية هي السعرات الحرارية أيا كان وقت تناولها، وعلى الناس ألا يأكلوا إذا لم يشعروا بالجوع".
وأوضح الباحثون في الدورية الطبية البريطانية، أن بعض الدراسات السابقة دققت فيما إذا كان لوجبة الفطور تأثير على عملية الأيض، أو عدد السعرات التي يحرقها الجسم. لكن الباحثين لم يجدوا اختلافات مهمة في هذا الصدد بين تناول الإفطار من عدمه.
لكن تيم سبيكتور، الباحث في جامعة "كينغز كوليدج لندن"، الذي كتب مقالا افتتاحيا مصاحبا للدراسة، أوضح أن "كل واحد منا متفرد وبالتالي قد تختلف الاستفادة التي يحصل عليها من الكربوهيدرات والدهون على حسب الجينات والكائنات الدقيقة بالجسم ومعدل الأيض".
س.إ/ع.ش (رويترز)

الأربعاء، 9 يناير 2019

مؤتمر الجدران المتساقطة للعلوم في برلين: فلسفة هدم الحواجز للتقدم نحو المستقبل


مؤتمر الجدران المتساقطة للعلوم في برلين:
فلسفة هدم الحواجز للتقدم نحو المستقبل

عمر الحياني – برلين

مؤتمر الجدران المتساقطة للعلوم في برلين
قبل لحظات من افتتاح مؤتمر الجدران المتساقطة بالعاصمة الألمانية خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2018، كانت أجواء برلين الباردة هي المهيمن على مزاج المدينة التي تحتضن المؤتمر ومهرجان العلوم سنوياً، غير أن بهاء الاستقبال وتنوع الحضور العلمي بددا البرودة المعتادة، ليفتحا الأعين، على برلين، التي انقسمت خلال الحرب العالمية إلى شرقية وغربية، ثم ما لبثت الماكنة الألمانية بأن تعيد هندستها بخطوات متسارعة منذ عقود، صوب المستقبل من نافذة العلوم والاقتصاد والصناعة، هذه المرة.
يمثل المؤتمر، جانباً هندسياً آخر، إذ يعكس تحول ذكرى الجدران المتساقطة في وسط برلين نافذة إلى العلوم، وهي الذكرى التي تمثل منذ توحيد المانيا مناسبةً للاستشراف نحو المستقبل بالعلم، حيث كان لسقوط الجدران معنى آخر في عقول العلماء ومحاولة لكسر الجمود والأفكار العلمية والوصول إلى فهم أعمق وبشكل عالمي للمشاكل العلمية.
إنها إذن الجدران المتساقطة، والتي أثارت انتباهي لوقت طويل، وارتباطها بالعلوم بعد 20 عاما من سقوط جدران برلين، ليصبح حدثا عالميا منذ عام 2009، يجتمع فيه العلماء والباحثون الشباب في المجال العلمي من جميع أنحاء العالم، في ظاهرة علمية فريدة من نوعها.
ويعد مؤتمر الجدران المتساقطة (The Falling Walls) تجمعاً سنوياً وعالميا للأفكار المستقبلية، تنظمه مؤسسة الجدران المتساقطة (Falling Walls Foundation ) كل عام في التاسع من نوفمبر - الذكرى السنوية لسقوط جدار برلين – ويُدعى خلاله 20 من كبار العلماء في العالم إلى برلين لتقديم أبحاثهم المتقدمة وبمشاركة 80 دولة بشبابها وباحثيها، وذلك بهدف معالجة سؤالين: ما هي الجدران العلمية التالية التي ستسقط؟ وكيف؟.

هدم الجدران نحو المستقبل بالعلم

كان للمعاناة الالمانية من الجدران التي فصلت المانيا الى دولتين قصص وذكريات أليمة، حولت الجدران وسقوطها إلى فلسفة علمية نحو المستقبل، عبر ثورة علمية يتبناها العلماء لإسقاط الحواجز العلمية، والانتقال إلى التعاون العلمي العالمي بين جميع الباحثين والعلماء والمراكز العلمية.
وكرمز لسقوط الجدران وإعادة توحيد المانيا، تنبع فلسفة المؤتمر على تبني إسقاط الحواجز التي تنشأ بين العلماء والمراكز العلمية في دول العالم المختلفة باعتبار العلم حقا بشريا للجميع.
يقول رئيس مجلس إدارة مؤسسة الجدران المتساقطة البروفيسور يورغن ملينيك في تصريحات صحفي إنه " يجب على العلماء التدخل بشكل أكبر"، وإن هناك حاجة "إلى تماسك وتضامن أوروبي، نحتاج معها إلى تعاون علمي أفضل وإلا فإننا لن نكون قادرين على مجاراة الولايات المتحدة والصين" ومع ذلك "حتى هذه البلدان الكبيرة ليست قادرة على مواجهة الموضوعات والتحديات العلمية المستقبلية منفردة".
ويواصل أن "من الضروري والمهم أن نجمع القوى معا في شتى أنحاء العالم، وأن نضع المصالح الجزئية والخاصة جانبا. وهنا يمكن للجدران المتساقطة أن يلعب دوراً مهماً مع علماء من شتى أنحاء العالم يستعرضون أمام الجميع القيمة الاجتماعية لأعمالهم".

أفكار الشباب العلمية أولاً

كانت قاعات مؤتمر الجدران المتساقطة في برلين تكتظ بالمشاركين من الباحثين من مختلف البلدان، إذ شارك 100 متسابق من 60 دولة، هم حصيلة الباحثين الذين تم اختيارهم من خلال المسابقات المحلية التي جرت على مدى شهور، بين أكثر من 3000 متسابق على مستوى العالم.
حصل كل مشارك على ثلاث دقائق فقط لعرض فكرته على لجنة المتسابقين والحضور، وخلالها قدم المتسابقون ابتكاراتهم وحلولهم من الذكاء الاصطناعي، إلى أدوية شجرة البن، إلى نماذج تحاكي الجسم البشري وتساعد الجراحين وطلاب كلية الطب في التعليم وتنفيذ العمليات بشكل علمي ودقيق.


مؤتمر الجدران المتساقطة للعلوم في برلين
وخلال العرض العلمي، كان الوقت يمر سريعاً، مع تتالي عرض الأفكار، قبل أن يختتم العرض بإعلان المشاريع الابتكارية الفائزة، حيث حصل الطبيب المصري احمد غازي الأستاذ بجامعة روشستر الأمريكية على المركز الأول، بابتكاره نموذجاً طبياً يحاكي أعضاء الجسم البشري في محاولة لمساعدة الجراحين عبر محاكاة العمليات قبل تنفيذها مما يساعدهم على تنفيذ العمليات الدقيقة بشكل عملي ودقيق، بالإضافة إلى أنها نموذج مثالي لجسم الإنسان يستفيد منها طلاب كليات الطب في تطبيقاتهم التدريبية.

عبقرية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

 خلال المؤتمر العلمي في برلين، كان الذكاء الاصطناعي بوصفه التطور الذي يمثل أكثر من مجرد ثورة صناعية ويتجاوز البشرية وحتى ‏البيولوجيا، حاضرا بقوة في المؤتمر، سواء بالأفكار المستقبلية التي تتحدث عن التطورات الهائلة لعصر الذكاء الاصطناعي مع اختراقه عالم اليوم بسرعة هائلة، أو بالابتكارات التي تم استعراضها خلال المهرجان، ويقول البروفيسور يورغن ملينيك إن المؤتمر خصص العديد من المحاضرات والحوارات لمسألة الذكاء الصناعي تحت العنوان العام "عبقرية الإنسان في عصر الذكاء الصناعي".
وضمن البرنامج الرئيسي للجدران المتساقطة كان من بين المتحدثين حامل جائزة لايبنيتس بيرنهارد شولكوبف الذي تحدث حول مسألة الذكاء الصناعي، كما تناول المؤتمر حزمة عريضة من الموضوعات، شملت العلوم الطبيعية، مرورا بالاستدامة في الصناعة، وصولا إلى التساؤل حول مستقبل الديمقراطية والعلوم ودورهما في التطور العلمي والتنمية المستدامة"، يضيف ملينيك.

المغناطيس أفكار جديدة لعصر جديد

ليس الكون وحده هو من يشغل بال العلماء، بل وكل جزيئاته المتناثرة على مليارات السنيين الضوئية والتي تقف أمامهم في محاولة لفهم داخلها وما وراءها وكل المحيط المؤثر والغير مؤثر بها، إنها حركة العقول التي لا تتوقف عن السؤال والتفكير والفحص في محاولة لفهم ديناميكية المادة وقوانينها وتطويعها لخدمة الإنسان الباحث عن المستقبل داخل هذا الكون الغامض والمليء بالألغاز.
وبحثا عن الأفكار الجديدة لعصر جديد يبحث أستاذ نظرية المواد في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ نيكولا سيلايدن في علم المواد محاولا الغوص في أعماقها المواد يستكشف إسرارها لمستقبل أكثر ذكاء وأناقة.
يقول سيلايدن خلال مشاركته في مؤتمر الجدران "نحن في عصر السيليكون اليوم، تشكل ترانزستورات السليكون جوهر جزء كبير من الإلكترونيات الدقيقة التي تمكن أسلوب حياتنا الحديثة".
ويشير إلى أنه وعلى مدى العقود القليلة الماضية "قمنا بتحسين خصائص أجهزة السليكون إلى حد مذهل، مما مكن من تحويل أجهزة الكمبيوتر المكتبية القديمة القوية إلى هواتف ذكية أنيقة مع التسليم بالزيادة الهائلة في القدرة ـ وما يقابل ذلك من تناقص في الحجم والتكلفة ـ استولت عليها قانون مور".
ومع ذلك، يواصل سيلايدن أن هذه الثورة السليكونية "ستضطر قريباً إلى وضع حدٍ لها، حيث نبدأ في الدخول إلى حدود مادية أساسية يحددها حجم الذرات الفردية التي تشكل المادة السليكونية، وهذا يعني أن المسيرة المطلقة نحو منتجات أسرع وأصغر وأخف وزنا مع المزيد والمزيد من الوظائف لا يمكن أن تستمر في إطار عملنا الحالي".
يطرح في السياق التساؤل، ماذا عن الجدران التي نحتاج إلى تفكيكها حتى نتمكن من دخول "عصر متعدد الجسيمات" الجديد؟ إذ "نحتاج إلى تطوير مواد جديدة تبقى فيها ثنائيات القطب المغناطيسية والكهربائية ثابتة عند درجة حرارة الغرفة، حتى عندما نضعها في أحجام صغيرة جداً، بالإضافة الى حاجتنا لفهم عملية إعادة توجيه ثنائيات القطب بشكل جيد بما فيه الكفاية للقيام بذلك مع حقول كهربائية صغيرة جدا". فضلاً عن الحاجة التأكد من أن المواد الجديدة لدينا وفيرة على الأرض، حميدة بيئيا، ورخيصة وسهلة عمليا وفي المقابل "تزودنا مراكزنا المتعددة الوظائف بملعب لاستكشاف مجموعة من الأسئلة العلمية الأساسية المثيرة، وربما، ربما، الأمر الذي يمهد الطريق لعصر المواد التالي"، يقول سيلايدن.

مشاركة فاعلة للفرق العربية في المهرجان

لم يكن المطبخ المصري الحاضر الوحيد في غداء اليوم الثاني لفعاليات المؤتمر، فهناك حضر المطبخ الياباني، والصيني، والالماني، في تنوع مدهش يحاكي الجدران المتساقطة والتي نادى العلماء الحاضرون بضرورة هدمها بحثا عن تفاعل عالمي للعلم والثقافة بدون حواجز مفتعلة.
ومثل هذا التنوع حافزا لبعض الدول العربية للمشاركة الفاعلة في المهرجان العلمي المرافق للمؤتمر والحاضن للأفكار والابتكارات العلمية للباحثين والشباب العربي، حيث شارك شباب وباحثون من الإمارات وسلطنة عمان والسودان ومصر بأفكار ملهمة وابتكارات علمية نالت الاستحسان وفاز البعض منها بالجوائز.
احدى المشاركات في المؤتمر تستعرض ابتكارها في مؤتمر الجدران المتساقطة للعلوم في برلين
تقول الباحثة والمشاركة العربية في المؤتمر من مصر الدكتورة ليلي عادل زيكو في تصريح خاص إن "مشاركتها تأتي بهدف استعراض جهودها البحثية في مجال بحوث علاجات السرطان بفكرة علاج الخلايا السرطانية بخلايا مستخلصة من الأعشاب البحرية".
تعمل الباحثة المصرية زيكو بالتعاون مع فريق عمل من الجامعة الأمريكية على استنباط مستخلصات لها تأثير مضاد للبكتيريا من الحمض النووي لبكتيريا أخرى نادرة تعيش في أعماق البحر الأحمر، وتقول إن تم إجراء الأبحاث على نحو عشرة الف عينة في المعمل وكانت التجارب مبشرة حيث قضت بعض الأنواع من المستخلصات على الخلايا السرطانية، وترى أن البحث العلمي يحتاج إلى تمويل كبير وهو ما نعمل على إيجاده في الفترة القادمة كي نمضي قدما في أبحاثنا العلمية.
من جهة أخرى يقول الطبيب المصري احمد غازي الأستاذ بجامعة روشستر الأمريكية والفائز بالمركز الأول بابتكار أسلوب يساعد الجراحين ‏على تنفيذ العمليات الدقيقة بشكل عملي على نموذج مصنع لجسم المريض، إن ابتكاره العلمي الفائز بالجائزة الأولى في المؤتمر يعمل على حل مشكلة تصادف جراحي الكلى وجراحي بعض الأعضاء في جسم الإنسان على تنفيذ العمليات الجراحية الدقيقة على نماذج المحاكاة لأعضاء الإنسان قبل إجراء العلمية مما يساعدهم على إنجاح العملية بشكل دقيق وعلمي.
عمر الحياني - مؤتمر الجدران المتساقطة للعلوم برلين - جدار برلين 
ويواصل غازي "إن نماذج محاكاة أعضاء جسم الإنسان مصنوعة من مادة الهيدروجيل (وهو خليط كيميائى للبوليمار يحتفظ بالماء وأكثر نعومة من السليكون) وستعمل على مساعدة طلاب كليات العلوم الصحية على التدرب على نماذج اقرب شبها بأعضاء الإنسان".

الرحلة الطويلة لحضور المؤتمر

غادرت اليمن في الأول سبتمبر 2018، في رحلة طويلة متعبة ومرهقة امتدت من صنعاء إلى عدن ومنها الى الخرطوم لحضور منتدى هايدمبورج الخاص بعلماء الحاسوب والرياضيات إلا أن فترة انتظاري للحصول على الفيزا لم توفق، حيث انتهى المؤتمر في29 سبتمبر من العام نفسه، ولم تصدر الفيزا بعد، ولحسن الحظ؛ كان هناك مفاجأة أخرى بوصول دعوة من مؤتمر الجدران المتساقطة للحضور بمنحة من وزارة الخارجية الألمانية مع عشرة زملاء من عدة دول.



قدمت الدعوة إلى السفارة الألمانية وكان انتظاري لمدة نصف شهر إلى حين إصدار الفيزا واستلامي لها فقررت المكوث في الخرطوم حتى موعد المؤتمر مغادرا إلى برلين، بعد شهرين ونصف فترة انتظاري للحصول على الفيزا التي كنت احصل عليها في صنعاء خلال أسبوع، غير أن الحرب التي عصفت باليمن منذ سنوات، خلقت عزلة لليمنيين ووضعت مزيداً من التعقيدات في طريق حياتهم.

صحفي يمني متخصص في الشؤون العلمية


الاثنين، 24 ديسمبر 2018

التصدي لتغير المناخ في أشد بلدان العالم فقرا



بقلم أكسيل فان تروتسنبيرغ    

كيف يمكننا مساعدة أفقر بلدان العالم على التصدي لتغير المناخ؟ فالتحدي هائل. عالميا، كانت السنوات الثلاث الأخيرة هي الأشد حرارة على الإطلاق. وبدأت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الوقود الأحفوري وقطاع الصناعة في الارتفاع مرة أخرى عام 2017 بعد أن استقرت لفترة وجيزة. وتواجه العديد من المناطق المزيد من العواصف الشديدة والفيضانات والجفاف. ووفقا لأحدث تقرير أصدرته اللجنة الحكومية لتغير المناخ، ستكون العواقب الناجمة عن ارتفاع حرارة الأرض درجتين مئويتين أخطر بكثير من ارتفاعها بمقدار درجة ونصف الدرجة، ومع هذا فقد ضللنا كلا الطريقين.

وإدراكا منها للحاجة الملحة، أعلنت مجموعة البنك الدولي عن أهداف جديدة وطموحة للجهود التي نبذلها بشأن المناخ بالاشتراك مع البدان النامية في مؤتمر الأمم المتحدة الرابع والعشرين بشأن تغير المناخ الذي عقد هذا الشهر في كاتووايس ببولندا. وبعد أن تجاوزنا الأهداف التمويلية لعام 2020 قبل موعدها بعامين، فإننا نرمي إلى مضاعفة استثماراتنا إلى 200 مليار دولار على مدى خمس سنوات في الفترة من 2021 إلى 2025. كما جعلت مجموعة البنك الدولي التكيف والقدرة على المجابهة أولوية قصوى، نظرا لأن الملايين من البشر يكابدون بالفعل العواقب الوخيمة لأحداث المناخ الجامحة. الآن، وعبر زيادة التمويل المباشر للتكيف لحوالي 50 مليار دولار خلال السنوات المالية من 2021 إلى 2025، سيولي البنك الدولي اهتماما مماثلا بالاستثمارات التي تخفض الانبعاثات الغازية.

وباعتبارها ذراع البنك الدولي الذي يقدم التمويل لأشد بلدان العالم فقرا، ستكون المؤسسة الدولية للتنمية عاملا للوفاء بهذه الأهداف. ويقف العديد من البلدان المتعاملة مع المؤسسة على الجبهة الأمامية لتغير المناخ، حيث يواجه مواطنوها الأشد فقرا وضعفا الكثير من الكوارث هي الأشد خطرا. والأرقام ضخمة: مع التغيرات المكانية التي يسببها المناخ في الأراضي الزراعية المنتجة، فإن جنوب آسيا يمكن أن تضم 40 مليون نازح بحلول عام 2050، بينما يمكن لأفريقيا أن تشهد زيادة بنحو 86 مليون نازح.

ونظرا لإلحاح الطلب على التمويل وضخامته- ستكون هناك حاجة إلى حوالي تريليون دولار في البلدان الأشد فقرا لتلبية الالتزامات المناخية بحلول عام 2030- سيتعين على المؤسسة الدولية للتنمية أن تلعب دورا أكبر. لقد زدنا مستوى التركيز على المناخ في التجديد الثامن عشر لموارد المؤسسة، وهى دورة تمويل تجدد كل ثلاث سنوات، تجاوزت منتصف مدتها مؤخرا. ونضع نصب أعيننا المقاصد الجديدة لمجموعة البنك الدولي، وسنستخدمها للدفع بالمزيد من التقدم لعملائنا على صعيد المناخ.

ومع الدعم القوي من قبل الشركاء المانحين، تساعد المؤسسة الدولية للتنمية على دمج المناخ في إصلاح السياسات والتخطيط الإنمائي، حتى تتمكن البلدان من تقليص انبعاثاتها الغازية والتحلي بمزيد من القدرة على المجابهة ومواجهة تغير المناخ. على سبيل المثال، تشكل مذكرات السياسات الخاصة بالغابات الحوار بين الحكومات وشركاء التنمية، فضلا عن تحديد المشاركات الجديدة وتصميم المشاريع في جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وليبيريا وموزمبيق ونيبال. وفي بنغلاديش، تساعد خطة الاستثمار الزراعي المراعي لاعتبارات المناخ على ضمان التنسيق على مستوى رفيع بين الوزارات المعنية.

وعلى أرض الواقع، تساعد مشاريع المؤسسة الدولية للتنمية الناس على أن يتحلوا بالوعي إزاء المناخ في الزراعة واستغلال الأراضي. ففي بوروندي، يتيح مشروع استعادة الغابات والصمود لمجموعات المزارعين حماية التربة السطحية، وزيادة خصوبة التربة، والبدء في إنتاج الأطعمة الغنية بالمغذيات على مدار العام. وقد بات المزارعون الآن يستطيعون الحصول على البذور والشتلات لعدد كبير من محاصيل الأغذية والأعلاف، بالإضافة إلى الأشجار والحشائش المثبتة للتربة لحماية أراضيهم. وفي منطقة أوروميا بإثيوبيا، تساعد مبادرة صندوق الكربون البيولوجي من أجل استدامة مناطق الغابات المزيد من النساء على تسجيل حيازتهن للأراضي والتحول إلى زراعة البن مع انتهاجهن الممارسات المراعية للمناخ والتي تدعم الإنتاجية.

إن الأدوات المبتكرة ونوافذ التمويل الخاص التي أنشأناها بموجب التجديد الثامن عشر لموارد المؤسسة تحفز الأنشطة المناخية التحولية من أجل تعزيز القدرة على المجابهة والنمو المنخفض الكربون. ونستخدم مزيجا من النُهج على مستوى المنطقة ومستوى البلد المعني، لا سيما في أفريقيا التي تضم حاليا أغلب البلدان المتعاملة مع المنظمة الدولية للتنمية. ففي نيجيريا، على سبيل المثال، يقدم برنامج المؤسسة تسهيلات كبيرة لدعم التوجه الشامل لإدارة النحر المائي ومصدات الأمواج. وعلى امتداد غرب أفريقيا، يعبئ برنامج المؤسسة الإقليمي رأس المال الخاص لإقامة مجمعات للطاقة الشمسية، والتجهيز لتوليد الكهرباء منها على نطاق واسع، وتعزيز القدرة الفنية في إطار خطة أعمال المناخ في أفريقيا.

ويساعد التجديد الثامن عشر لموارد المؤسسة على التوسع في استخدام الطاقة المتجددة في كافة أنحاء البلدان المتعاملة مع المؤسسة لمكافحة تغير المناخ وأيضا لتحسين سبل حصول الفقراء على الطاقة. وفي الفترة من يوليو تموز 2017 إلى سبتمبر أيلول 2018، ساعدت المؤسسة البلدان المتعاملة على تعبئة التمويل لتوليد 6 جيجاواط إضافية من الطاقة المتجددة، لتتجاوز الهدف المرصود المقدر بخمسة جيجاواط. ومن خلال سياسة قروض التنمية، تساعد المؤسسة الدولية للتنمية بلدانا مثل رواندا على دمج توليد الطاقة المتجددة في الاستراتيجيات الوطنية. ومن خلال نافذة القطاع الخاص الجديدة، أنشأت المؤسسة برنامجا للمشاركة في تحمل المخاطر برأسمال 50 مليون دولار للمساعدة في توسيع استخدام الطاقة المتجددة بجميع جزر المحيط الهادي. ولتعبئة المزيد من رأس المال الخاص للطاقة المتجددة، يساعد التجديد الثامن عشر لموارد المؤسسة سبعة بلدان أفريقية على إعداد نشرات للاستثمار. وقد استكملت هذه النشرات في الكاميرون وساحل العاج، ومازالت قيد الإعداد في بنين وكينيا ومدغشقر ومالاوي والنيجر وتوغو.

وسيكون دعم المؤسسة مهما لمساعدة البلدان على الوفاء بأهدافها بموجب اتفاق باريس للمناخ، فضلا عن أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالمناخ. إننا ندمج الأهداف المناخية في دراساتنا التشخيصية وفي أطر الشراكة مع كل بلد متعامل مع المؤسسة، وذلك كي تأخذ مشاريعنا ومبادراتنا المخاوف المناخية في الحسبان. فالتصدي للمخاطر التي يشكلها تغير المناخ يمثل أساسا مهما ونحن نتكاتف لإنهاء الفقر المدقع وتوسيع نطاق الرخاء في البلدان الأشد فقرا.

المصدر : البنك الدولي

الجمعة، 30 نوفمبر 2018

عندما يخاف العلم من نجاحه... التعديل الجيني للبشر




حسين الوادعي

سجل تاريخ العلم لحظتين مفصليتين وقف فيهما العلماء خائفين من نجاحاتهم.

اللحظة الأولى في أربعينيات القرن الماضي عندما طور علماء “مشروع مانهاتن” تكنولوجيا القنبلة الذرية. ساعتها، دعا العلماء إلى تعليِق وتقييد أنشطة التكنولوجيا الذرية بعد أن أدركوا أنهم أمام قوة قد تدمر الكوكب كاملا وتمحو أشكال الحياة فيه.

اللحظة الثانية كانت قبل ثلاث سنوات فقط، سنة 2015 عندما دعا علماء الهندسة الجينية ضمن مشروع كريسبر CRISPR إلى تعليق أنشطة التعديل الجيني على الأجنة البشرية، بعد أن أدركوا حصولهم على تكنولوجيا تتطور بسرعة لتستطيع تعديل جينات البشر والتحكم في صفاتهم و “تصنيعهم” حسب المواصفات.

جاء إعلان العالم الصيني (خه جيانكوي He Jiankui) عن نجاحه في استيلاد أول طفلتين معدلتين جينيا، ليصعق العالم أمام هذه التكنولوجيا التي خرجت عن إطار التحكم.

يمكننا تشبيه ميلاد الطفلتين المعدلتين جينيا بتفجير أول قنبلة ذرية في صحراء ولاية نيومكسيكو في 16 يوليو 1945.

لكن الفارق اليوم أخطر، لأن التجربة جرت على البشر، على الطفلتين المجهولتين “لولو” و”نانا” المعدلتين جينيا لحمايتهما من الإصابة بفيروس الإيدز.

لولو” و”نانا” اسمان جميلان لتطور علمي مخيف وغير منظم، خاصة وأن تقنية التعديل الجيني لا تزال تحت التجربة. لكن تاريخ العلم قدم لنا أسماء جميلة لتجارب مخيفة، ولنتذكر أن “الولد الصغير” والرجل البدين” كانا إسمي أول قنبلتين ألقيتا على هيروشيما ونجازاكي وقتلتا 120 الف إنسان!

التعديل الجيني باستخدام تقنية كريسبر CRISPR لم يعد لغزا، وقد نجح كتاب العلم الشعبي Popular Science في تحويله إلى موضوع نقاش عام في الدول المتقدمة. وهو أشبه ما يكون بمقص جيني يستطيع تعديل الجين أو حذفه أو إضافة جينات جديدة.

تحمل هذه التقنية الثورية وعودا جبارة لعلاج الأمراض الجينية كالسرطان والزهايمر والإيدز، كما تشكل حجر الأساس للعلاج الجيني الذي سيتمكن من استئصال المرض بدلاً من معالجة أعراضه كما يفعل الطب الحالي.

ولأن الجينات هي الوحدات الوراثية الأساسية، فإن القدرة على تعديلها تعني القدرة على تحديد صفات الانسان بما في ذلك بشرته وعينيه وشكل بنيته وصفاته الذهنية والعقلية.

لكن الإنسان لا يتوقف عند الأساسيات. فتعديل الجين يدفع الطموح البشري المغامر لاستخدام التعديل الجيني لما هو أبعد من العلاج.

على سبيل المثال، طور العلماء باستخدام التعديل الجيني خرافاً وخنازير وأبقاراً معدلة، من ضمنها أبقار وخنازير قليلة الشحم وكثيفة اللحم، أو أبقار وخراف بعظام أقل ولحم أكثر، وكلاب صيد أسرع وبسيقان أطول، وخراف غزيرة الصوف، وأبقار بدون قرون، وسلالات جديدة من الكلاب لأغراض بوليسية بعضلات خارقة.

لكن، ما الذي يمنع العلماء من الإنتقال من تحسين الأنواع الحالية إلى خلق أنواع جديدة، ما دامت تقنية التعديل الجيني تتيح لهم ذلك؟

فما الذي يمنعنا من تطوير تنين مُجنح مثل ذلك الذي في الأساطير الصينية، أو تخليق الحصان ذو القرن الشهير في الأساطير اليونانية، ولماذا لا تزود الحيوانات البرية بخياشيم تمكنها من السباحة والغوص كالأسماك؟

هذا الكلام لم يعد خيالاً علمياً، وإنما حقيقة يمكن تحقيقها في المختبرات.

لقد أطلق العلماء لأيديهم العنان بلا حدود للتعديل الجيني للحيوانات، ولم يبق إلا التعديل الجيني للانسان.

فهل فعلا تفاجأ المجتمع العلمي بولادة أول طفلتين معدلتين جينيا في الصين؟

ليس تماما.

تؤكد جنيفر دودنا مؤلفة كتاب “تصدع الخلق… التعديل الجيني والقوة غير المتوقعة للتحكم في التطور”، أن الشائعات حول التعديل الجيني للبشر في المختبرات بدأت قبل 2015. أما رجال الأعمال، فلم تنقطع اتصالاتهم بالعلماء المبرزين في مجال كريسبر لتوظيفهم في مشاريع طموحة للتعديل الجيني، يقودها القطاع الخاص.

كانت الصين هي الأسرع في هذا المجال بسبب فجوات في التشريعات التي تمنع إجراء التجارب على الأجنة البشرية، وكان متوقعا أن تنفجر القنبلة الأولى في الصين.

لكن هناك عددا من القضايا العلمية والأخلاقية العالقة والمقلقة.

من الناحية العلمية، لا زال التعديل الجيني للبشر خطرا، لأن التقنية في مراحلها الأولى، وقد يعاني البشر المعدلون جينيا من طفرات سلبية أو أمراض مستعصية، خاصة إذا طورت الجينات المضافة أو المعدلة خصائصها على حساب الجينات الأصلية.

أما القضايا الأخلاقية فمتشعبة.

على مدار 4 مليارات سنة، كان التطور يجري طبيعيا عشوائيا بقوتي الإنتخاب الطبيعي والطفرات الجينية. لكن التطور اليوم صار في أيدي البشر؛ وما استغرقت فيه الطبيعة ملايين السنين، صار العلم قادرا على إنجازه في سنوات.

هذا تطور مبهج وخطر. فلا أحد يدري أي طريق قد يمضي فيها التطور الذي يتحكم فيه البشر. سيتحكم الآباء مستقبلا في صفات أطفالهم، وستتيح الهندسة الوراثية للوالدين اختيار الصفات الأفضل، من لون الشعر والبشرة إلى معدل الذكاء ومقاومة الأمراض.

وكل هذه التطورات طبيعية ومرغوبة. لكن، ماذا لو أراد أب رياضي طفلا بعضلات خارقة أو قدرات استثنائية على الجري أو القفز؟ وماذا لو أراد أب آخر طفلاً بشخصية عسكرية قاسية؟

أما المعضلة الثالثة، فهي التمييز. لن يستطيع أغلب البشر لفترة طويلة الاستفادة من التعديل الجيني لأطفالهم، وسينحصر في يد الأغنياء والقادرين.

فماذا سيحدث عندما نرى طبقات تستثمر في استيلاد أطفال فائقي الذكاء ومقاومين للأمراض وحائزين على صفات جسدية مثالية، في مقابل طبقات فقيرة بأطفالها العاديين المعرضين للأمراض ومحدودي الذكاء مقارنة بمنافسيهم المعدلين جينيا؟

ليس هذا خيالا علميا؟ إنه المستقبل الذي صرنا نمتلك مفاتيحه.

في رواية “آلة الزمن”، تخيل كاتب الخيال العلمي الأشهر هربرت. ج. ولز مستقبلنا بعد مئات الآلاف من السنين، وقد انقسم البشر إلى نوعين منفصلين، نوع أشبه بالبشر ويعيش مختبئا في بيوت عالية، ونوع تدهور إلى مرتبة الحيوانات المفترسة ويعيش في مخابئ تحت الأرض.

المتشائمون يخافون أن يؤدي التعديل الجيني إلى انفصال البشر الحاليين إلى نوعين مختلفين تماما. نوع متقدم جدا، ونوع متخلف وفقير وبدائي.

لست متشائما، لكن الإندفاع غير المنظم للهندسة الجينية للبشر يثير مخاوف كثيرة، بقدر ما يقدم لنا آفاقا خيالية للقضاء على المرض وزيادة الذكاء والصفات الإيجابية.

قرأنا في طفولتنا رواية الخيال العلمي الشهيرة “جزيرة الدكتور مورو”. تدور القصة حول العالم العبقري الذي اعتزل في جزيرة ليجري تجارب يحول فيها الحيوانات إلى بشر، ويدمج فيها صفات الحيوانات وأعضائها مع صفات البشر وأعضائهم لخلق كائنات جديدة هجينة.

كان الدكتور مورو عبقريا بلا أخلاق، مثله مثل بعض العلماء الذين يجرون اليوم تجارب الهندسة الجينية على البشر سرا في المعامل.

إن التطور العلمي الذي يتحول إلى لعنة للبشر، ثيمة من أشهر ثيمات الخيال العلمي، من سيطرة الروبوتات على البشر إلى تدمير الأرض بالأسلحة البيولوجية. لكن العلم أثبت أنه القوة الكبرى في رفاه وسعادة البشرية، رغم كل المخاوف.

مثلما أطلق تفجير القنبلة الذرية الأولى سباقاً عالمياً نووياً لم ينته لحيازة الطاقة النووية، فإن ولادة أطفال معدلين جينيا سيطلق سباقا عالميا لحيازة تكنولوجيا التعديل الجيني وتطويرها.

وإذا كانت الطاقة النووية محصورة في الاستثمار الحكومي، فإن القطاع الخاص داخلٌ بقوة في جهود الهندسة الجينية. ولن يبقى السباق الأمريكي الصيني محصورا في صناعة السيارات والتجارة الحرة، بل سيصبح السباق على تعديل البشر عنوانا لحرب باردة جديدة وسرية لإمتلاك السيطرة على خصائص بشر المستقبل.
.............................
نشر المقال على موقع "مرايانا"