الاثنين، 26 أكتوبر 2015

أتمتة عملية تحليل البيانات الكبيرة

أتمتة عملية تحليل البيانات الكبيرة
استطاع نظام آلي يستخدم الخوارزميات بدلا من حدس الإنسان أن يتغلب على 615 من أصل 906 فريق بشري.

لاري هارديستي
معهد ماساتشوستس للتقنية MIT

ترجمة: عبدالرحمن أبوطالب

يتضمن تحليل البيانات الكبيرة Big-data البحث عن أساليب مطمورة لديها القدرة على التنبؤ، لكن اختيار ماهية أو "سمات" البيانات المراد تحليلها يتطلب عادة نوع من الحدس البشري. في قاعدة بيانات تحتوي مثلا على تواريخ بداية ونهاية عدة حملات ترويج مبيعات والارباح الأسبوعية، فإن البيانات الحاسمة قد لا تكون التواريخ نفسها بل الفترات الممتدة بينها، وقد لاتكون إجمالي الربح بل متوسط الربح عبر تلك الفترات.

سعى الباحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية MIT لاستبدال العنصر البشري في عملية تحليل البيانات الكبيرة بنظام جديد لايبحث فقط عن أساليب جديدة في التحليل بل أيضا تصميم ملامحه. ولإختبار النموذج الأولي من نظامهم، قام الباحثون بإدراجة في ثلاثة مسابقات علمية تتعلق بالبيانات، بحيث يقوم النظام بمنافسة فرق بشرية في إيجاد أنماط تنبؤية في حزمة غير مألوفة من البيانات. ومن بين 906 فريق شارك في الثلاث مسابقات، أنهت "آلة علم البيانات" الخاصة بالباحثين المنافسة متقدمة على 615 فريق.

في مسابقتين من الثلاث مسابقات، كانت التنبؤات التي أدلت بها آلة علم البيانات دقيقة بدرجة  94% و 96%. في المسابقة الثالثة، كان الرقم أكثر تواضعا وبنسبة 87%. لكن الفرق أن الفريق البشري يستغرق في العادة عدة أشهر شاقة لإنتاج خوارزمية للتنبؤ، في حين تستغرق آلة علم البيانات ما بين ساعتين و 12 ساعة لإنتاج التنبؤات المتعلقة بكل مدخلاتها. "نحن ننظر لآلة علم البيانات على أنها مكمل طبيعي للذكاء البشري"، هكذا يقول ماكس كانتر، الحاصل على الماجستير في علوم الكمبيوتر من معهد ماساتشوستس للتقنية MIT والذي تمثل أطروحته أساس فكرة آلة علم البيانات. ويضيف كانتر "هناك الكثير من البيانات في الخارج تحتاج إلى تحليل. وكل ما يتطلبه الأمر منك الآن هو مجرد الجلوس فقط دون أن تفعل أي شيء، لذا ربما يمكننا التوصل إلى حل سيحملنا على الأقل على المضي قدما فيه".

يحضّر كانتر مع المشرف على أطروحته، كاليان فيراماتشينيني Veeramachaneni، عالم الأبحاث في معهد ماساتشوستس للتقنية MIT ومختبر الذكاء الاصطناعي (CSAIL)، ورقة عمل تصف "آلة علم البيانات" سيقدمها كانتر الاسبوع المقبل في المؤتمر الدولي لمعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات IEEE حول علم البيانات والتحليل المتقدم.

يشارك فيراماتشينيني في قيادة مجموعة ALFA في مختبر الذكاء الاصطناعي التي تطبق تقنية التعليم الآلي لمشاكل معينة في تحليل البيانات الكبيرة، مثل تحديد قابلية توليد الطاقة في الحقول الزراعية بواسطة الرياح، أو التنبؤ بمن هم الطلاب الذين في خطر الإنسحاب من دورات الدراسة عبر الإنترنت. يقول فيراماتشينيني "ما رصدناه من خلال تجربتنا في حل عدد من مشاكل صناعة علم البيانات يعتبر أحد الخطوات الحاسمة فيما يمكن أن نطلق عليه feature engineering "هندسة السمات". ويضيف "أول شيء يجب عليك القيام به هو تحديد ماهي المتغيرات اللازم استخراجها أو جمعها من قاعدة البيانات، ومن أجل ذلك، عليك أن تأتي بالكثير من الأفكار". على سبيل المثال، في التنبؤ السابق المتعلق بالطلاب المنسحبين، تم إثبات اثنين من المؤشرات الحاسمة وهما: طول الوقت الذي يبدأ فيه الطالب بحل المشاكل قبل الموعد النهائي بالإضافة إلى كم من الوقت يقضيه الطالب على الموقع الإلكتروني للدورة مقارنة بزملاءه في الدراسة.

لم تسجل منصة التعليم الإلكتروني لمعهد MIT أيا من تلك الإحصائيات. لكنها جمعت بيانات يمكن الإستدلال بها. استخدم كانتر و فيراماتشينيني حيلتين في ميزة تصنيع مرشَّح السمات لتحليل البيانات. إحدى هذه الحيل كانت استغلال العلاقات الهيكلية الكامنة في تصميم قاعدة البيانات. تخزّن قواعد البيانات عادة أنواع مختلفة من البيانات في جداول مختلفة، ويتم الإشاراة إلى روابط العلاقات المتبادلة بينها باستخدام معرفات عددية. تتقفى آلة علم البيانات أثر هذه الروابط وتستخدمها كإشارة لبناء السمات. على سبيل المثال، جدول واحد قد يسرد قائمة بمواد التجزئة مع تكاليفها، جدول آخر قد يسرد قائمة تشمل الزبائن والمشتريات. ستبدأ آلة علم البيانات في إستيراد التكاليف من الجدول الأول وإدخالة في الجدول الثاني، بعد ذلك، ستأخذ الآلة تلميح أو إشارة نتيجة ترابط عدة عناصر مختلفة في الجدول الثاني مع نفس رقم طلب الشراء، وتنفذ مجموعة من العمليات لتوليد مرشحات للسمات مثل التكلفة الإجمالية للطلب، متوسط التكلفة للطلب، الحد الأدنى للطلب وهكذا.

نتيجة لإنتشار المعرفات العددية عبر الجداول، تركّب آلة علم البيانات العمليات في طبقات فوق بعضها وتعثر على الحدود الدنيا من المتوسطات أو متوسط المجموع، وما إلى ذلك. كما تبحث عن ما يسمى بالبيانات المصنفة والتي تقتصر على مجموعة محدودة من القيم، مثل أيام الأسبوع أو الأسماء التجارية. ثم تولد الآلة مرشحات سمات أخرى بتقسيم تلك السمات الموجودة عبر تصنيفات البيانات.  بمجرد إنتاج مجموعة من المرشحات، تقلل الآلة عددهم عن طريق تحديد تلك القيم التي يبدو أنها مترابطة. ثم تبدأ باختبار المجموعة المختصرة على بيانات نموذجية ودمجها بعدة طرق مختلفة لتحسين دقة التنبؤات التي تنتجها. يقول مارجو سيلتزر، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة هارفارد والذي لم يشارك في هذا العمل "آلة علم البيانات واحدة من تلك المشاريع المذهلة حيث يفتح تطبيق الأبحاث المتطورة في حل المشاكل طريق جديد تماما في النظر إلى المشكلة". ويضيف سيلتزر "أعتقد أن مافعلوه سيصبح سريعا معيار، سريعا جدا".


http://news.mit.edu/2015/automating-big-data-analysis-1016

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

العسل، ونبوءة آينشتاين



العسل، ونبوءة آينشتاين
حبيب سروري –العربي الجديد

في 13 مايو/ أيار الماضي، كشفت جامعة ماريلاند الأميركية، في تقرير سنوي، أرقاماً مخيفة عن مصيبةٍ كبرى: انقراض 42% من مستعمرات النحل في أميركا، خلال العام الماضي، فأعلن أوباما بعد ستة أيام خطّةً وطنيّة لتلافي ذلك، ولحقتهُ فرنسا بإجراءت شبيهة.
احتمال انقراض النحل من المعمورة خبرٌ جدّ مريع، أشبه بِـ"علامات الساعة"، إذ يعيد إلى الذهن نبوءةَ آينشتاين الشهيرة: "إذا اختفى النحل من سطح الأرض، فلن تعيش الإنسانية أكثر من 4 سنوات بعد ذلك: لا نحل، لا تلقيح، لا نبات، لا حيوانات، لا إنسان".
خلية نحل - وادي حضرموت
الخبر مريعٌ خصوصًا لمن دخل مع النحل بعلاقةٍ صوفيّة، متعدِّدة الأبعاد والجوانب، منها؛ متابعة النشاطات العلمية في مجالات "الذكاء الجمعي"، في أبحاث علوم الكمبيوتر، التي تحاول محاكاة النحل في تكوين شبكات من كينونات برمجيّة (Agent)، كلّ فردٍ منها بدون ذكاءٍ يستحقّ الذكر، لكنها معاً تشكِّلُ منظومات معقّدة، شديدة الذكاء، جبّارة القدرات.
إذ للنحلة دماغٌ حجمه مليمتر مكعب، لا يمتلك أكثر من مليون عصبون. لكن مجموع النحل في الخلية (50000) تشتغل بدماغٍ ألمَعِيّ، كل نحلةٍ عصبونٌ من شبكة عصبوناته. يُمَكِّن العملُ والتفاعلُ المشترك ذلك الدماغَ الجمعي من امتلاك مقدّرات فريدة: تآزر، تكيّف، اتصال، تعلّم، استيعاب للبيئة المحيطة، مقدّرات يصعب سبرها في مقال.
فقد برهن عالِم الرياضيات كوينج، مثلاً، في ورقة علميّة سمحت له بدخول الأكاديمية الفرنسية في عام 1740، أن مورفولوجيا طبقات الشمع الذي يشيّده النحل، والأشكال السداسية لتجويفات خلاياها، تسمح بإيجاد الحل الرياضي الأمثل لهذه الإشكالية: كيف يمكن استخدام أقل كميّةٍ محدّدة من الشمع لبناء أكبر عدد من الخلايا المتشابهة والمتماثلة، في أصغر مساحة داخل الخليّة؟ وقد شرح داروين في كتابه الشهير"في أصل الأنواع"، كيف أثّر مبدأ "الانتقاء الطبيعي" في الوصول إلى كلّ ذلك الإبداع العبقري.

اقرأ أيضاً: كيف تُشيّدُ المعاجم التاريخية الحديثة؟

عسل يمني - وادي حضرموت
مريعٌ انقراض النحل لمَن يدهشه الشكل الجديد لاقتصاد اليوم المستلهمِ من حياة النحل: "الاقتصاد التلقيحي"، وتداعياته على الحضارة الإنسانية. فهذا النموذج الجديد الذي بدأ يكتسح الاقتصاد المعاصر، مبنيٌّ على كون أهمية النحل تكمن في التلقيح الذي يفوق مردودُه (يعادل 15 مليار دولار سنويّاً في أميركا) بكثير مردودَ إنتاج العسلِ (أقلّ من مليار دولار). ويكفي رؤية نموذج اقتصاد غوغل على الإنترنت: بمجرد نقر المستخدم للمتصفح، يمتصُّ كالنحلة الرحيقَ المعلوماتي من المتصفح، يستفيدُ منه، ويلقِّحه بمعلوماتٍ مرتبطةٍ بحاجاته، واهتماماته وطبيعة شخصيّته.
هكذا، فالتلقيح استعارةُ النموذج الاقتصادي الجديد، فيما إنتاج العسل استعارةُ النموذج القديم. نحن هنا أمام نمطٍ جديدٍ من اقتصادٍ تعاضدي، معرفي، يتكئ على مفهومَي: شبكة الشبكات الاجتماعية، والتلقيح الإنساني.
مريعٌ انقراض النحل بشكلٍ قوي لمن قرأ أخيراً كتاباً إنسكلوبيديّاً مدهشاً، يسرد شغف الفلسفة والفكر الإنساني بالنحل، منذ مهد الفكر الإنساني: "النحل والـ فيلسوف"، من تأليف الأخوين بيير هنري وفرانسوا تافوالو، الأوّل أستاذٌ في الفلسفة في جامعة السوربون عاشق للنحل، والثاني نحّال عاشق للفلسفة.
فمنه اكتشفتُ أن الإنسان، منذ أن صار يفكٍّر، أعجب بالنحل كما لم يعجب بكائنٍ حيٍّ آخر. رأى في نمط حياة خليّة النحل تكثيفاً لِحياة البشر: مجتمعٌ ينتج، يبني، يُحوِّل، يعالج، يدافع عن نفسه، يهاجر، يحارب. ويتغذّى من رحيق الأزهار ـ غذاء الآلهة ـ ليفرز العسل: المنتوج الطبيعي الوحيد الذي لا يتخثّر أبداً، ولذلك استخدمه في تحنيط الملوك. ثمّ النحل، كما يقول المؤلفان: الجسر الذي يؤالف بين المتضادات، وهو ينتقل من "الطبيعة" إلى "الثقافة": يلدغ بشكلٍ مؤلم، ويفرز ألذّ غذاء.
للنّحل دورٌ جوهريٌّ في الميثولوجيا الإغريقية: من ناحيةٍ، لم يصبح كبير آلهة الأولمب، زوس، جبّاراً قادراً على منافسة وهزيمة والده كورنوس، إلا لأنه تغذّى في طفولته بالعسل، وخدَعهُ يوماً بوجبةٍ مغمورةٍ بالعسل. ومن ناحيةٍ أخرى، كانت نهاية "شهر العسل" بين الآلهة أورفيه وأوريديس نتيجة "لدغة" إرستيه، ربّ النحل في ميثولوجيا الإغريق، الذي دفع ثمناً لذلك: انقراض نحله، ربّما تفجّرَ حينها الخوف الميثولوجي من ذلك الانقراض، الذي تعكسهُ ما تُسمّى بنبوءة آينشتاين.
من القصّتين يظهر مجدّداً أن النحل سيفٌ ذو حدِّين: اللدغة والعسل، وجسرٌ بين الطبيعة والثقافة، كما قال المؤلفان.

اقرأ أيضاً: ذاكرة المغارات

قضّى كبير فلاسفة الإغريق، أرسطو، حياته يدرس النحل، وكتب عنها أكثر ما كتب عن الكائنات الحيّة غير الإنسان. درسها لأنها بالنسبة له: كونٌ مصغّر.
كذلك شأن كلّ فلاسفة ومفكري الغرب تقريباً: اهتمّ بها الجميع، من فيرجيل والقديس أوغسطين، إلى كلّ فلاسفة الحداثة حتّى ماركس وهايديجر، مروراً بمفكّري العلم الحديث، كلٌّ حسب تخصصة ومزاجه: النحل لهذا الفيلسوفِ رمزٌ للمَلَكيّة، ولذاك رمزٌ للديمقراطية أو الجمهورية، وللقديسِ المسيحي رمزٌ للإخصاب بلا دنس.
ولكلمة "العسل" في اللاوعي العربي مدلولٌ يراوح بين "النعيم" و"اللذة". وفي الفكر الإسلامي، للنحل مقامٌ استثنائي: آيتان تجليليّتان في سورةٍ النحل: "وأوحى ربّكَ إلى النحل"، و"نهرٌ من عسلٍ مصفّى" في جنة المسلمين. هناك عدّة أحاديث شريفة تُشبِّهُ المؤمنَ بالنحلة، ونصوصٌ فقهيّة لابن الأثير مثلاً في الاتجاه نفسه. وقد لخّص الإمام كمال الدين الدميري حياة النحل في كتابه "حياة الحيوان"، كما كان يتصوّرها ناس ذلك الزمان.
يجهلُ الكثيرون أن اكتشاف العلم تشريحَ النحل، بفضل ميكروسكوب جاليلو، قد أدّى دوراً رئيساً في انطلاق الثورة العلميّة. دورٌ يماثل مستوى دور جاليلو الذي دحض المسلّمات الفلكية العتيقة. وقبل ذلك، كان العالم أجمع، منذ الأزل، يظنُّ أن ملِكةَ النحل ذكرٌ سُمِّيَ دوماً: ملِك النحل، أو اليعسوب، بالعربية. فوفقًا لمعاجم لغتنا: "اليعسوب ملكة النحل، وكان العرب يعتقدون أنها ذَكَر". كذكَرٍ تحدّث عنها الدميري وفقهاء الإسلام. وقد سقطت المسلّمةُ الذكورية هذه، بفضل اختراع الميكروسكوب وتطويره، وكانت أوّل دراساته التجريبية حول النحل تحديداً.

السبت، 15 أغسطس 2015

كيف يتسبب البشر بالانقراض الجماعي؟


كيف يتسبب البشر بالانقراض الجماعي؟
بول آر آرليخ*
آن أتش آرليخ**
الجزيرة نت
لا أحد يستطيع أن يشكك في حقيقة مفادها أن الأرض تمر بالحقبة السادسة من الانقراض الجماعي في تاريخها. وقد كانت الأولى هي التي قضت على الديناصورات تماما قبل نحو 65 مليون سنة. وتشير دراسة حديثة إلى أن الأنواع تنقرض الآن بسرعة تتراوح بين عشر مرات وعدة آلاف من المرات مقارنة بحالها أثناء الفترات المستقرة في تاريخ كوكب الأرض.
كما تتناقص أعداد كل نوع على حِدة بسرعة أكبر بمئات أو آلاف المرات من سرعة انقراض الأنواع ككل. وأحد التقديرات يشير إلى أن الأرض خسرت نصف الحياة البرية في السنوات الأربعين الماضية. ولا توجد أية شكوك أيضا إزاء السبب الذي هو نحن.
فنحن نمارس عملية تدمير كامل لرفاقنا الوحيدين المعروفين في الكون، وكثير من هؤلاء الرفاق مخلوقات جميلة، وجميعها معقدة ومثيرة للاهتمام. وهي مأساة حقيقية، حتى لدى أولئك الذين لا يبالون بخسارة الحياة البرية. الواقع أن الأنواع التي تختفي بسرعة هي أساسا التي تزود البشر بخدمات بيئية لا غنى عنها، مثل تنظيم المناخ، والحفاظ على خصوبة التربة، وتلقيح المحاصيل والدفاع عنها ضد الآفات، وتصفية المياه العذبة، وتوريد الغذاء.
والسبب وراء هذا التسارع العظيم في معدلات خسارة التنوع البيولوجي على كوكب الأرض واضح، وهو النشاط البشري السريع في التوسع، والمدفوع باكتظاظ سكاني متزايد، فضلا عن تزايد نصيب الفرد في الاستهلاك. فنحن ندمر المَواطن الطبيعية لإفساح الطريق للمزارع والمراعي والطرق والمدن. والتلوث الذي ننتجه مسؤول عن اضطراب المناخ وتسميم الأرض والماء والهواء. ونحن ننقل كائنات عدوانية إلى مختلف أنحاء الكوكب ونفرط في حصاد النباتات والحيوانات ذات القيمة التجارية أو الغذائية.
"أحد التقديرات يشير إلى أن الأرض خسرت نصف الحياة البرية في السنوات الأربعين الماضية. ولا توجد أية شكوك أيضا إزاء السبب الذي هو نحن"
وكلما تزايد عدد البشر بات من الضروري حشد المزيد من موارد الأرض الإنتاجية لدعمهم، فتزايد البشر يعني حرث المزيد من الأراضي أو تحويلها إلى بنية أساسية حضرية لدعم المدن المتزايدة الضخامة مثل مانيلا وتشنجدو ونيودلهي وسان خوسيه.
وتزايد البشر يعني زيادة الطلب على الوقود الأحفوري، وهو ما يعني بدوره تدفق المزيد من الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي إلى الغلاف الجوي، والذي ربما يمثل التهديد بالانقراض الأعظم على الإطلاق. ومن ناحية أخرى نحتاج إلى تدمير المزيد من أراضي كندا لاستخراج البترول المنخفض الدرجة من الرمال النفطية، والمزيد من أراضي الولايات المتحدة لاستخراج النفط والغاز الصخريين بطريقة التكسير الهيدروليكي.
كما يعني تزايد البشر إنتاج المزيد من أجهزة الحاسوب والمزيد من الهواتف المحمولة، فضلا عن المزيد من عمليات التعدين للتنقيب عن العناصر النادرة اللازمة لتصنيعها. ويعني أيضا المزيد من استخدام المبيدات الحشرية والمنظفات الصناعية والمضادات الحيوية والمواد اللاصقة ومواد التشحيم والمواد الحافظة والمواد البلاستيكية، التي يحتوي العديد منها على مركبات تحاكي الهرمونات الثديية. بل ويعني كذلك تزايد الجسيمات البلاستيكية المجهرية في المحيط الحيوي وهي الجسيمات التي ربما تكون سامة أو ميالة إلى اجتذاب السموم على أسطحها.
ونتيجة لهذا، كل الكائنات الحية -بمن فيها نحن- أصبحت غارقة في حساء سام مقزز، مع دفع الكائنات غير القادرة على التكيف في مسار متزايد السرعة إلى الانقراض.
مع كل شخص جديد تتفاقم المشكلة سوءا، ولأن البشر أذكياء فإنهم يميلون إلى استخدام الموارد التي يسهل الوصول إليها أولا، فهم يستوطنون الأراضي الأكثر خصوبة وإنتاجية، ويشربون المياه الأقرب والأنظف، ويستغلون موارد الطاقة الأكثر سهولة في الوصول إليها.
وبالتالي، فمع وصول أناس جدد يُنتَج الغذاء على أراض أقل خصوبة وأكثر هشاشة، وتُنقَل المياه إلى مسافات أبعد أو تُطَهَّر، وتُنتَج الطاقة من مصادر أكثر هامشية. باختصار، كل شخص جديد ينضم إلى سكان الأرض من البشر يزيد على نحو غير متناسب من الضغوط المفروضة على الكوكب وأنظمته، ويسبب المزيد من الضرر البيئي ويدفع المزيد من الأنواع إلى الانقراض مقارنة بأعضاء الأجيال السابقة.
"كل الكائنات الحية -بمن فيها نحن- أصبحت غارقة في حساء سام مقزز، مع دفع الكائنات غير القادرة على التكيف في مسار متزايد السرعة إلى الانقراض"
ولكي يتسنى لك رؤية هذه الظاهرة وهي تُحِدث أثرها الفتاك ما عليك إلا أن تفكر في صناعة النفط. عندما حُفِرت أول بئر في بنسلفانيا عام 1859، لم يتطلب الأمر النزول إلى عمق أكثر من سبعين قدما داخل التربة للوصول إلى النفط. وعلى سبيل المقارنة، بدأ حفر بئر ديب واتر هورايزون التي انفجرت في خليج المكسيك عام 2010، على مسافة ميل تحت سطح الماء، ثم استمر الحفر لبضعة أميال أخرى في الصخر قبل العثور على النفط. وقد استلزم ذلك استخدام كمية هائلة من الطاقة، وعندما انفجرت البئر كان احتواؤها أصعب كثيرا، مما أدى إلى إلحاق ضرر مستمر وواسع النطاق بالتنوع البيولوجي في منطقة الخليج والسواحل المجاورة، فضلا عن العديد من الاقتصادات المحلية.
بوسعنا أن نلخص الوضع ببساطة، فالتوسع السكاني البشري في العالم يفرض منافسة شديدة على سكان الكوكب من أغلب الحيوانات الأخرى (تشمل الاستثناءات الفئران والماشية والقطط والكلاب والصراصير). ومن خلال التوسع في الزراعة نستولي الآن على ما يقرب من نصف الطاقة التي تصدرها الشمس والمستخدمة لإنتاج الغذاء لكل الحيوانات. ومن الواضح أن احتياجاتنا في تزايد مستمر.
ومع استئثار الحيوان الأكثر هيمنة في العالم -وهو نحن- بنصف الكعكة، فليس من المستغرب أن تبدأ الملايين من الأنواع المتبقية التي تتصارع على النصف الآخر من الكعكة في الاختفاء بسرعة. وهذه ليست مجرد مأساة أخلاقية، بل يرقى الأمر إلى خطر داهم يهدد وجودنا. ذلك أن الانقراض الجماعي سوف يحرمنا من العديد من خدمات النظم الإيكولوجية التي تعتمد عليها حضارتنا. وقد أوقعت القنبلة السكانية أولى ضحاياها بالفعل. ومن المؤكد أنها لن تكون الأخيرة.
______________________
* أستاذ الدراسات السكانية في قسم العلوم البيولوجية بجامعة ستانفورد
** مديرة ومنسقة السياسات المشاركة لمركز علوم حفظ الأحياء في جامعة ستانفورد
المصدر : بروجيكت سينديكيت

الخميس، 16 أبريل 2015

البحث عن الكيف وسط ازمات تنذر بالكارثة

القات في اليمن
البحث عن الكيف وسط ازمات تنذر بالكارثة

يشكل 10في المئة  من الزراعة ويستنزف50 %من المياه الجوفية
القات في اليمن: كارثة بيئية وصحية



عمر الحيانيصنعاء


يلوك القات ويمضغه في فمه  بحثا عن الكيف أو هربا من  واقع بائس . هذه حال معظم اليمنيين منذ قرون، ثمة رغبة لدى البعض في التخلص منه، لكن العادة اقوى من كل عزيمة.
فبعد كل يوم حافل بجلسات تعاطي القات أو" تخزينة" يعتزم المتعاطي  ألا يعيد الكرّة. لكن ما أن  تحل ظهيرة اليوم التالي حتى تدفعه رغباته بقوة لشراء القات وتعاطيه مجدداً.

إنه إدمان من نوع خاص يأخذ اليمني يوميا  الى تلك الاوراق الطرية ، ليضعها في فمه و يبدأ في  مضغها ،ويواصل امتصاص عصارتها مع قليل من الماء بين الحين والآخر.

تستغرق عملية التخزين ما بين ساعتين وعشر ساعات يومياً. تبدأ بعد تناول وجبة الغداء وقد تمتد الى ساعات متقدمة من الليل.  وغالباً ما  يتم ذلك جماعياً، وفي مجالس خاصة يطلق عليها ديوان أو مفرج أو طيرمانة يتم التخطيط لها قبل بناء المنزل . وقد تنفق عائلات فقيرة نصف دخلها على القات .
 عبر هذا الطقس ألاجتماعي تحوّلت شجرة القات الى  خطر حقيقي ، موقعة اليمن  في دائرة من  الكوارث الصحية والبيئية .

الصحة تتردى على أغصان القات

يثير القات جدلاً مستمراً في اليمن حول ما إذا كان مخدراً أم لا. فمنظمة الصحة العالمية أدرجته عام 1973 ضمن قائمة المواد المخدرة ، بعدما أثبتت أبحاثها على مدى ست سنوات احتواء نبتة القات على مادة "كاثين" (Cathine) المعروفة أيضاً بـ"نورسيدوفيدرين"
( Norpseudoephedrine) المشابهة في تأثيرها لمادة "أمفيتامين" (Amphetamine). إلا أن المفهوم الشائع بين اليمنيين أنه يحتوي على بعض المنبهات فقط ، وعلى أي حال ، فإن مخاطره الصحية تكفي لحظر استهلاكه.
ضيف الله المطري احدى متعاطي القات  وضحاياه يقول: " أدى تناولي كميات كبيرة من القات بشكل مستمر  الى تراكم السموم في جسمي و تدهور حالتي الصحية. على اثر ذلك، اضطررت لاستئصال الدودة الزائدة  وأصبت بالتهابات حادة في الأمعاء".   ويضيف:   "امتنعت عن تناول القات بعدما حذرني الطبيب  وصنف حالتي بالسيئة ".

ففي بادئ الآمر للقات تأثير كبير على الجهاز العصبي. يوضح أستاذ الاوعية الدموية والقلب في جامعة صنعاء الدكتور شرف العودي أن "ماضغي القات يمرون في مراحل مختلفة، تبدأ بمرحلة الانشراح الناتجة عن تنشيط الخلايا بمادة الكاثين ، وهي مرحلة تشبع الخلايا بهذه المادة، تعقبها مرحلة الاكتئاب نتيجة تعطش الخلايا لهذه المادة".

ويضيف " ان تعاطي القات يؤدي إلى تسارع ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم مع حدوث تضييق للشرايين. محذرا من ان انتشار مرض سرطان الجهاز الهضمي في اليمن بشكل كبير هو نتيجة المبيدات المستخدمة زراعة في القات".

ويشرح  الدكتور وليد هبة  : ان تناول القات يؤدي الي  ارتفاع نبضات القلب المزمن وهو ما يؤدي إلى عدم قدرة عضلة القلب على تحمل الجهد الزائد و صولا الي  ضعفها  وفشلها .
 وهذا يفسر انتشار امراض القلب في بنسبة عالية جدا "

وتشير دراسة لاستشاري أمراض المخ والأعصاب في جامعة العلوم والتكنولوجيا الدكتور حسني الجوشعي عام 2010م إلى أن للقات تأثيرات على القلب ويؤدي الي تليف الكبد.
وهي تربط الجوشعي بين ازدياد حالات السرطان في اليمن والإفراط في استخدام المبيدات السامة والمواد الكيميائية المحظورة عالمياً في زراعة القات لتسريع نموها.
وتلفت  الدراسة إلى أن "متعاطي القات يتعرض لحالات مزمنة من الإمساك وسوء الهضم وفقدان الشهية".

ويعدد أطباء كثر مساوئ إدمان القات من زيادة نسبة السكر في الدم واحتمال الإصابة بداء السكري، مروراً بتقليل نسبة البروتين في الدم، وصولاً إلى التأثير على نمو الجسم كله. ولعل هذا ما قد يفسر الهزال وضعف البنية لدى غالبية المتعاطين في اليمن. بل ربما السبب الرئيسي هو سوء التغذية الذي يعتبر تعاطي القات احد مسبباته .


مزرعة قات في اليمن



البيئة أيضاً تدفع  الثمن

مثلما يضر القات بصحة الإنسان، سواء كان مخدراً أو منبهاً، فهو عنصر مبدد للمياه ومضر بالتربة والبيئة عموماً.  وإذا كان تدخل الإنسان في الأنظمة البيئية  يهدف إلى تأمين الغذاء عادة، فان ما يحدث في اليمن يهدف إلى  تأمين الكيف لحوالي سبعة  ملايين متعاطي قات.
وقد اظهرت دراسة للبنك الدولي عام 2006م ان  72في المئة  من رجال اليمن  و33 في المئة  من نسائه يتعاطون القات ، اضافة الي اعداد متزايدة من الاطفال ،واشارات الدراسة الي ان واحدا من كل سبعة يمنيين يعملون في انتاج القات وتوزيعه ، ما يجعله اكبر مصدر للدخل في الريف وثاني اكبر مصدر للوظائف في البلاد بعد قطاعي الزراعة والرعي ليفوق القطاع العام  .
هذا الكم لأجل الكيف شكل دافعاً لدى المزارعين لزيادة استخدام المبيدات الزراعية في المساحة المزروعة باشجار القات لجني الارباح السريعة .
وهذا ا نتج عنه آفات زراعية خطيرة وأخل بالتوازن البيئي، خصوصاً في غياب تطبيق القانون الذي ينظيم تداول مبيدات الآفات النباتية.


 هذه المبيدات، التي  تقتل بكتيريا تثبيت  "النيتروجين" (الآزوت) في التربة مسببة تدني خصوبتها. وتتفاعل النيترات(nitrate) الموجود في التربة مع بعض المبيدات مكونة مادة سامة تلوث التربة والمياه الجوفية  تمتصها النبتة و تخزنها في أنسجتها، مسببة  أمراضاً سرطانية  للإنسان .‏

 يوضح رئيس قسم الاراضي  في كلية الزراعة في جامعة صنعاء الدكتور عبد الاله ابو غانم "ليست لشجرة القات  تأثيرات سلبية على التربة التي تنمو فيها ، لكن المشكلة في  التوجه السائد لدى  المزارعين بالإفراط في استخدام  المبيدات الزراعية  لتسريع نمو القات".

ويضيف أن للمبيدات تأثيرات سلبية،مثل زيادة  صلابة التربة التي تصعب تغلغل الجذور في حال استبدال القات بنباتات اخرى. والأراضي التي تزرع بالقات ثم تتحول إلى زراعة أخرى تفقد المواد الغذائية اللازمة  لخواص الطعم في الخضر والفواكه ".
فوفقا لدراسة صادرة عن البنك الدولي لا يتطلب القات  كميات كبيرة من الأسمدة غير العضوية ، إلا انه  يعمل على امتصاص كميات كبيرة من العناصر الغذائية للتربة ، ويساهم في تدهورها " .
يروي المزارع حسين الرحبي من محافظة صنعاء "حتى نهاية التسعينات، كنا نستخدم التربة الناعمة لمكافحة الحشرات في اشجار القات والعنب. ومنذ استخدامنا المبيدات الزراعية دمر كثير من مزارع  العنب والقات "

الأسلوب القديم لمكافحة الحشرات يسمى "التتريب". وهو يتم عبر رش تربة ناعمة جداً على الاشجار قبل شروق الشمس ،حين يكون الندى على الأوراق فتلتصق التربة الناعمة بها وتمنع الحشرات من الاقتراب. لكن هذه الطريقة بدأت بالاندثار مع انتشار تجارة  المبيدات ومفهوم الربح السريع.

يقول الرحبي: " بعد ما حصل من دمار بسبب هذه المبيدات عاد مزارعون كثيرون الى  استخدام الطريقة القديمة لأنها تحافظ على الاشجار من الموت".


أذى الإفراط في استخدام المبيدات الزراعية لحق بالنحالين ايضا. احمد ناجي مسعد، وهومربي نحل في منطقة تشتهر بزراعة اشجار القات،  متحدثا عن خسارته : "استخدام المبيدات والسموم في رش  أشجار القات باستمرار وبشكل عشوائي ادى الى موت اعداد كبيرة من النحل، بل  الى موت خلايا بكاملها في بعض المواسم، ما سبب لنا خسائر فادحة ". مضيفا "لابد من وضع حد لهذه الشجرة التي سببت لنا المآسي، ولهذه المبيدات التي تحل علينا كل  سنة بأصناف غريبة عجيبة".



استنزاف  المياه  

المياه ايضا تدفع ثمن زراعة القات. وعلى رغم من  قرب نضوب الموارد المائية في اليمن، يواصل المزارعون استنزاف الاحواض المائية عبر حفر آلاف الابار لري 260 مليون شجرة قات تستنزف نحو 50في المئة  من المياه الجوفية المستخرجة .
وقد اازدادت المساحة المزروعة بالقات خلال العقود الاربعة الأخيرة بنحو 23 ضعـفاً، مرتفعة من سبعة آلاف هكتار عام 1970م الى  159 الف هكتار عام 2010م، أي ما يساوي 10في المئة  من إجمالي المساحة المزروعة المروية في اليمن بحسب المركز الوطني للإحصاء  لعام  2010 م.


 رسم بياني يوضح نسبة مساحة زراعة القات في اليمن، المركز الوطني للإحصاء 2010  م









وتشير التقارير الصادرة  عن الجهاز المركزي للإحصاء الي أن استهلاك القات للمياه يقدر بـ800 مليون متر مكعب سنويا لإنتاج  25 ألف طن ، أي أن الطن الواحد يستهلك 32 ألف متر مكعب من المياه، وقدر ان  ربطة القات الواحدة تستهلك 16 متر مكعب  من المياه.
أي  8في المئة  من متوسط نصيب الفرد في اليمن من المياه  سنوياً، طبقا لتقرير صدر عن منظمة الأغذية والزراعة "فاو" عام (1995).

 وتستهلك  المزروعات المحيطة بمدينة صنعاء، على سبيل المثال، نصف الكمية المستخدمة للري والبالغة 60 مليون متر مكعب سنويا ، وتذهب الكمية الباقية لزراعة القات.

وفيما تتوالى التحذيرات لوضع حد لاستنزاف المياه الجوفية في زراعة القات،  يواصل المزارعون استخدام الطرق التقليدية لريه ، كالغمر. ويحذر أبو غانم من "خطورة الوضع لأن  القات يستنزف المياه من الاحواض على حساب المحاصيل الأخرى. ويعتبر أن "الكارثة وقعت في اليمن وهي مسالة وقت قبل جفاف حوض صنعاء ، لذا لابد من التفكير الجدي بوضع الحلول العلمية. مقترحا "استيراد القات والمحاصيل ذات الاستهلاك الكبير للمياه من اثيوبيا والصومال بدل زراعتها في اليمن ".
ويزرع القات على ارتفاع 1000-2400 متر فوق سطح البحر ، ويحتاج الي درجة حرارة تتراوح بين 16و25درجة مئوية .
والي جانب اليمن ،يزرع في اثيوبيا وكينيا والصومال وتنزانينا وتتوسع زراعته في اليمن الي كثير من المناطق ،بعد ان كانت محصورة في محافظتين هما تعز واب .
ويبلغ متوسط مساهمة القات في الناتج المحلي 6 في المئة  حوالي 10.2 مليار ريال (ما يعادل 47 مليون دولار).أما عدد العاملين في القطاع، فيفوق  473 ألفاً، أي ما يمثل 25 في المئة  من العاملين في القطاع الزراعي و 14 في المئة  من إجمالي العمالة في كافة القطاعات حسب وثائق المؤتمر الوطني للقات 2002م  .


وادت زيادة الطلب على القات والارباح الكبيرة التي يجنيها المزارعون الي عزوفهم عن زراعة اشجار البن والعنب والحبوب وغيرها من المحاصيل والتركيز على زراعة القات وحده .
كما أدى انتشار زراعة القات في المناطق الهامشية إلى استصلاح بعض الأراضي بما في ذلك نقل التربة وإنشاء مدرجات زراعية جديدة في مناطق كانت جرداء وغير صالحة لزراعة أي محصول. لكن  أبوغانم يؤكد أنه يمكن لآلاف الهكتارات التي تزرع بالقات يمكنها  توفير نسبة كبيرة من الأمن الغذائي اليمني إذا زرعت بالفواكه والحبوب، داعيا الى  تنظيم حملات توعية  تستهدف  المواطنين في الأرياف والمناطق النائية وإيجاد البدائل للمزارعين.


ويشير الدكتور محمد الحمدي من قسم الموارد المائية في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب اسيا (الاسكوا)الي ان العائدات المالية لكميات مياه الري هي الاعلى في محصول القات ،وهذا يفسر التحول من زراعة محاصيل اخرى الي زراعته .
لكنه مع ذلك يتم على حساب الميته الجوفية غير المتجددة .
ومن منظور اقتصادي ، يستهلك القات محليا ، وبذلك يساهم في العجز التجاري ،اذ يتطلب استيراد معدات حفر ومضخات وقطع غيار واسمدة ومبيدات وغير ذلك من متطلبات زراعته فضلا عن الاستهلاك المكثف لمصادر الطاقة المدعومة من اجل           ضخ المياه الجوفية لريه .
ويوكد الحمدي خطورة مشكلة المبيدات الي تستخدم بكثافة وعشوائية وتؤدي الي تلوث التربة والمياه الجوفية وتؤثر على صحة المتعاطين .
فالقات يمضغ طازجا ، ما يعني قطفة ونقله الي السوق وبيعة واستهلاكه في اليوم نفسه .
وللحفاظ على شكله الطازج والسليم ،يرشه المزارعون بالمبيدات ولا ينتظرون الوقت الكافي لزوال مفعولها قبل القطف والبيع ، الامر الذي يسمح ببقاء جزء كبير من المبيد الكيميائي ملتصقا بأوراق القات .
وهذا يؤدي الي تراكم السموم وزيادة تركيزها في جسم المتعاطي مسببة في كثير من الحالات امراض خبيثة يمكن ان تهدد النسيج الاجتماعي للمجتمع اليمني ،باعتبار  معظم متعاطي القات من الشريحة العاملة والمعيلة لنسبة كبيرة من السكان .
ويرى الحمدي ان مكافحة القات تقتضي خطة شمولية تتضمن برامج متوسطة وطويلة الامد وكما في مكافحة التدخين ،تشمل تدابير اجتماعية ودينية وتوعوية وتدابير اقتصادية تفرض روادع مالية .لكن الاهم هو توافر الارادة السياسية لمكافحة هذه العادة المستشرية في اليمن .
حملات ودعوات لوقف زراعة القات
على رغم  من "تخدير" القات لمعظم فئات المجتمع اليمني وتجاهل الحكومة لهذه الآفة، فإن لدى كثير من الشباب أملا في رؤية يمن بلا قات. "فالقات يعطي صورة سيئة عن اليمنيين  ويدمر جوانب مختلفة من الحياة في البلد"، وفق الناشطة الإعلامية هند الإرياني.  وذلك  كان الدافع الذي حفزها لتبني حملات التوعية  بمضار القات والدعوة الى منع تعاطيه. فحملتها الأولى "يوم  بلا قات" في  12 كانون الثاني (يناير) الماضي  لاقت رواجا كبيراً  لدى اليمنيين، ما شجعها على  اقامة الحملة الثانية تحت شعار "مراكز حكومية بلا قات" في  12 نيسان (أبريل)وهي قامت مع مجموعة من المحامين اليمنيين بتقديم مشروع قانون الي الحكومة بفرض عقوبات على من يستهلكون الموارد العامة على القات او يستخدمونه في المكاتب الحكومية .

وتشرح الارياني هدف الحملة  بالقول: " إنها لتحريك المياه الراكدة بالنسبة لموضوع القات، الذي سيساعد فتحه الكثير من منظمات المجتمع المدني في محاربتة ، وسيجعل المواطن يشعر أن القات غير مرغوب فيه ". فزراعة القات تستنزف أكثر من نصف المياه الجوفية في بلد يعاني من الجفاف وإهمال بقية المزروعات وحتى اقتلاعها واستبدالها به لأنه أكثر ربحاً. والقات لا يمكن تصديره لأنه ممنوع في بقية الدول الاخرى وتلاحظ الارياني:"سياسياً يتم مناقشة قرارات مصيرية للبلد في جلسات القات ، مع اننا جميعا نعلم انها تبقى مجرد أفكار لا يعمل على تحقيقها. وبذلك أصبح القات يتحكم في اليمن اقتصاديا وزراعيا وصحيا وسياسيا ".

كادر صغير:
القات يستهلك البلاستيك

يمثل استهلاك كميات كبيرة من اكياس البلاستيك، أحد الآثار البيئية المدمرة للقات. فكل متعاط يحتاج يومياً إلى كيس بلاستيكي او عبوة يضع فيه اغصان القات. ورفع ذلك استهلاك اليمن الى الى  80 الف طن سنويا، ينتج منها 40 في المئة  محليا ويستورد 60 في المئة  من الخارج، حسب  دراسة حديثة أعدها الدكتور عبد الوهاب صالح العوج ـ أستاذ الجيولوجيا المساعد  في كلية العلوم في جامعة تعز .